توالج الصفحة 3 من 12

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

لماذا وأنا أدور في الجزائر، رأيت الوجوه تَعرِفني، تُحدِّثني، تُحاوِرني، حتى محلات الباعة، وأنواع الخضروات والفواكه، زيت الزيتون الموزَّع فوق حبات التين الجافِّ، الأسماك المفتوحة على نور الشهوة المتَّقِدة للابتلاع، كل شيء هنا، رأيته هناك وأنا طفل، كنتُ قريبًا مِن الأرض حتى ظننتُ لوهلة بأنَّ المكان الذي أجوس فيه بتحفُّز والزمان الذي يَنتشِر بأعماقي دون توجُّس، شعرتُ يَقينًا بأنهما ملْك يَميني، وأنني في فلسطين، أغريتُ ذاتي بالتعمُّق في هذا الشعور، والأصح أن ذاتي كانت تتفلَّت مِن مساماتها، مِن ذرَّاتها ونواتِها، تَهرُب دون إذْن أو إنذار لتُقيم احتفاليَّة خاصَّة بين كل شيء يجعلني ويجعلها تتوحَّد في التصوُّر بأن هذه الأرض متوحِّدة منذ الأزل البعيد الساحق النازل إلى أعماق التاريخ مع أرض فِلسطين. أُتريد الشواهد، الدلائل، البراهين، الحُجج، دعْني أريك غير التوحد والتماهي والانصِهار بين الشواطئ، أترى هذه الشجرة؟ الكينا؟ كانت هُناك موجودة على باب مَقهى الدرْدش في المُخيم! عظيمة مُتسامقة، ممتدَّة، وهذه الشجرة، شجرة التين والزيتون؛ ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ ﴾ [التين: 1، 2] ، هذه كانت في بيت جارِنا المُسحِّر القصير! وتلك كانت على باب بيت أمِّ عُمر، وكذلك السرْو والصُّنوبر، كلها لها مكان في العين، ذات العين التي كانت تتفحَّص اللِّحاء والأغصان والجذوع، حتى النَّخيل الموسوم بعُمقِ التاريخ، ذات النَّخيل الموجود في بيت جارنا القَوزح، وذات النخيل الذي تُمطِره شمس أريحا بالنُّضوج المُغري للاشتِهاء والبلْع، المحلات المتلاصِقة والمَتاجِر القديمة، حتى أسواق الأشياء القديمة المنتهية الوظيفة لها مكان في أزقَّة القصبة، ذات المكان الموجود في أزقة طول كرْم قُرب المسجد القديم، البنايات العُثمانيَّة، الحمَّامات التركيَّة، كلها كانت تَتنقَّل في ذاكرتي، تتبادل الأمكنة والأزمنة بطريقة تَربُك المكان وتَخلِط الزمان. الناس هنا - أيضًا - وجوهٌ اعتقدْتُ جازِمًا بأني عرفْتُها، عِشتُ معها، لامسْتُها، تجاذبْتُ وإياها نظرات تَسكُن الأشياء والفضاء والبحار، وتُسكن المجهول في الأحداق، هذا الرجل المُتخَمة تفاصيله برائحة الشهداء، والذي ما إن عرَف أنَّني فلسطيني حتى ألبسَني سُوارًا مِن النحاس، كهديَّة شهيد إلى شهيد، أحسسْتُ بدمائه تزحف إلى أعماقي، تَنتشِر بأَورِدتي، تضخُّ فيها الحياة والبقاء، عرضتُ عليه الثمن، تبسَّم كَنُور متكوِّر لا بداية له ولا نهاية، عرفْتُ معنى البسمة؛ الشهيد لا يَمنح الشهيد سِعرًا، والرُّوح لا تَمنح الروحَ شيئًا مِن مادة، مِن تكوين ملموس، دخلتُ في الحياء، وفقدْت القدرة على ابتِكار الكلمة، الحكمة، التصرُّف ضمن معايير رد الجميل، وذاك الرجل الذي يقع بيته في قمَّة حي القصبة، اسمه ' أكلي'، قال لي: لن أخبرك عن معنى اسمي، اسأل عنه، لي صديق أمازيغيٌّ يقيم في ألمانيا، انقطَع الاتِّصال بيني وبينه منذ زمن، لهذا لم أَعرِف معنى الاسم، ولماذا أسعى لأعرف معنى الاسم؟ سأعرفه يومًا، سأُطارد التفاصيل مُطارَدة لاهث مسعور من أجْل الوصول إلى ذروة الشهوة في امتِصاص الذي شاهدتُ، لكني سأظل ذاكِرًا ' لأكلي' وللنحاس ما حَييتُ، ذاك منَحني سوارًا مِن نحاس، وذاك فتح بيته القديم - العُثمانيَّ التَّكوين - وأدخلَني، كنت مع شابٍّ دليل يُرافِقني، طيِّب، فيه جُرأة، وفيه بساطة، وكانت الكاتبة الجزائرية 'آسيا علي موسى'، التي قطعَتِ المسافات لتكون رفيقة درْبٍ ليوم، فيها أنفاس أختي، ولها تقاسيم المتوسِّط وزُرقته، لكن فيها أيضا مِن الكرم ما يَدفعك للحرج والالتِواء نحو الخجَل، أنهضَتْ بداخلي لواعج الحنين والاشتياق لحنان الأخت، صعدْنا الدرجات الأولى، 'أكلي' يشرح بإسهاب وتفصيل عن المنزل وتاريخه، وكلما تقدمنا أمعن في الشرْح، مع ابتِسامة تَكاد تكون جنينًا مِن الجنَّة لشدَّة براءتها، ولما استوَينا فوق السطح، كانت القصبة السُّفلى وجزء كبير مِن العليا يَنتصِب أمام الرؤيا، كانتصاب التاريخ، ومِن بعيد، رأيت مقام الشهيد، وكأن الأشياء والأصوات والصور والأزمنة والأمكنة تترتَّب لِتَكون شاهِدةً على حيِّ القصبة الذي ينظر مِن بعيد إلى المقام، ويَنظر المقام إلى الحي، بعين التاريخ، الذي سأعود لاستِخراجه مِن الأبنية والحِجارة والطرقات، تاريخ لا بدَّ مِن دفعه خارج رحم الأحجار والأبنية، إلى صفحات قليلة لتكون قادرة على تحريك الأيام والمكان في مسارات كونية لا تنتهي عند حدٍّ.