توالج الصفحة 2 من 12

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

رغم المعجزة، فأنا أَحمِل - ومنذ طُفولتي - عِشقًا للأرض اليابسة، الثابتة، فبَيني وبين الأرض وشائج أَمِنتْها طفولة توزَّعت بين السهول والودْيان، بين الجبال والسهول، هناك كنتُ أوزِّع عبَق البراءة، وأضمِّخ بالزهور والورود ذكرياتٍ تُخبِّئها بين أعطافها، وهناك كنت أمسح البيادر والبيارات وغابات الزيتون والصنوبر والسرْوِ والكينا بملامِحي وشكْلي وتشكُّلي، حتى بتُّ قطعةً مِن أرض تحرِّكها الأيام بأشكال الفُصول ونباتاتها وأزهارها. وما زلتُ - حتى اللحظة - ذاك الغضَّ الطريَّ الذي تغزوه - رغم العقود الموسومة على الشكْل - تلك الحيوات التي ربطَتْني بالأرض ربطًا لا فكاك منه ولا خَلاص؛ لهذا تراني كلما ركبت باخِرة ظللْتُ مَسكونًا بالهواجس والتهيُّؤات حتى تَنزل قدمي إلى مَرفأ يَضمُّني بثبات خطواتي عليه، وكلما امتطيتُ طائرةً توزَّعتُ بين بُؤرٍ مِن خوف ورعب ومجهول، فحين أَنظُر مِن نافذة الطائرة، وقليلاً ما أفعل ذلك، ورغم محاولاتي المستميتة مِن أجلِ التخلُّص مِن تلك النظرة وويلاتها، لم أستَطع أن أُلجِم فُضولي واستِقصائي لتلْك البؤر؛ فحين أرى اليابسة، أشعُر بالخوف، وحين تَعتلي الطائرة الغَمام فأراه كالعِهْن المَنفوش المُتداخِل كجِبال ضخْمة لكنَّها فارِغة، خَفيفة كَريشة أو أقلَّ، يتوغُّلني المجهول، وحين أرى المياه يتملَّكُني ويُغطِّيني الرعب المُقتحِم لنواة إنهاض النهايات المُستبدَّة بالرُّوح، صحيح أنَّ كل شيء إلى نهاية، إلى اندِثار، زوال، لكنَّ الجسد بحاجة إلى مكان، إلى مساحة على الأرض اليابِسة التي منحَتْها شيئًا مِن ملامِحي في الطُّفولة، في الشباب، وفي التقدُّم نُزولاً عِند أعماقِها. الأرض كما الكون كُرويَّة، الجزائر تتَّحد مع الأرض والكون، فمِن أين يَكون الاقتِحام؟! ومِن أين تكون البداية؟! فمِن أيِّ الجهات بدأتْ إليه ستَنتهي، مع أنَّ الدائرة لا تَحتمِل مُفردة 'اتِّجاه'، لماذا يكون الاقتحام مِن المكان؟! ألا يُمكن أن يكون مِن الزمان؟ لكنَّ الزمان سيُعيدك إلى المكان؟ ربما هو أيضًا لا يَستطيع الانفِصال عن الدائرة، أية مُعادَلة هي الصَّحيحة، المكان أَم الزمان؟ أيهما كان أولاً؟ وكيف كان شكْل الأول قبل تشكُّل الثاني؟ الله وحده يعلم ذلك. حتى نحن كبشرٍ نتكوَّن مِن مكان وزمان، مِن محسوس ولا مَحسوس، مِن جسد نَلمسُه ونتحكَّم باليَسير منه، ومِن نفْس لا نَعرِفها، لا نُدرك شيئًا عن كُنهِها، ومِن حزن وخوف ولوعة وأسى ورغبة واغتِراب، هل نحن كُرويِّين بالمعنى الحقيقي للوجود؟ لم لا؟! فنحن جزْء مِن الكون! إذًا؛ ليَكنِ الاقتحام مِن المبادأة، مبادأة للزمان والمكان، مع الاعتراف بجزيل المُطلَق عن التحديد أو الضمِّ واللمِّ في إطار أو تأطير، ولْتكنِ الهُنيهات واللُّحيظات هي التي تَقضي بيني وبين الأرصفة والشوارع والشُّجيرات والأشجار، لتكنِ الأشياء التي بداخِلي مما مضَى ومما هو قائم ومما هو آتٍ، هي المُتحكِّمة والمُستبدّة التي تَنسبُني إلى المكان أو الزمان وربما خَليطهما. كنتُ مُنتشِيًا، في غاية النَّشوة، ومُتلذِّذًا حتى بلغَتِ النقطة العُليا مِن مُنتهى اللذَّة، رغم قلَّة النوم التي سبَقتْ رحيلي مِن بلاد الصقيع إلى موطِن الشمس والفصول، الفصول التي تُحدِّثك عن روعة التبدُّل والتقمُّص والتَّرحال والاندماج، عن حزن الخريف وروعته، عن تفجُّر الربيع واندفاعَةِ سَعادته، عن أَلمِ الصيف المُلوِّح المُرهق بالانتشاء المتصبِّب عرَقًا والمُشتعِل لهيبًا، عن روعة المطَر المُندسِّ بين حنيات الأرض والمُتجوِّل بين شُقوق الأعماق والكهوف وعُروق السرْوِ والزيتون والتين والكينا. المتوسِّط، بزُرقتِه المُرتفِعة في الأمداء، الشاهِقة اللون، المتناهية الصَّفاء، له شواطئ، هنا في الجزائر العاصِمة، وله شواطئ هناك في حيفا ويافا، انبِثاق الحلْم مِن الموج المُتراصِّ الراقِص هبوطًا وصعودًا، حتى يتبدَّى لك بأشكال مُتداخِلة مُختلِفة، موجة تحتلُّ مكان أخرى، ربما الموجة التي لفحَتْ عيني الآن هي ذات الموجة التي لفحتْ عين والدي ذاتَ صَباحٍ في حيفا، وربما أيضًا، ربما، حبَّات الرمل التي علقت بجسدي كانت قادِمة مِن أمِّ خالد قبْل أعوام أو أيام، فرْحة البحر التي استقبلَتْني تتشابه كثيرًا مع فرْحة البحر الذي احتواني في قرية الفريديس وكاد يَبتلِعني، هي ذات الفرحة، وذات التلاقي، وذات التنقُّل مِن إحساس إلى إحساس.