توالج الصفحة 1 من 12

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

ما إنْ هبط شَهقتْ برغبة جامِحة، مُتوتِّرة، حاسِمة، تطلَّعتْ، تدفَّقت كنور كَهرومانيٍّ وفاضَتْ، صَهلَتْ، حمحَمتْ، اندفَعتْ نحوي بعُذرية كسَيل مِن وهَجِ مُتفجِّر. قبل هُبوطي كنتُ أنظُر مِن نافذة صغيرة، لا تستطيع الإفصاح عن التكوين، الميلاد، عن اللحظة الأولى، الوهْلة الخاطِفة التي تَرجُّ الكيان، تمحَقُه، تَذْروه، تَنثُره، تُوزِّع النَّثار على الهُنَيهة المخطوفة من رؤيا، رغْم ضيق المسافة التي تمنَحُك اقتِناص أو محاوَلة اقتِناص التأثير المَنزوع مِن جزْء مِن تلْك الهُنَيهة. اندفعَتْ عارِيَةً بكل تكوينها المندغم برائحة الشمس وعَرَق القمر، حُبلى باللامحدود، شهْباء، صافية، رائقة، سنابِكُها لها لغة التناغُم مع تراب وصخر الأرض، تناغُم صامِت، رغم صوت طَرقات السنابك بالصخْر، سريعة كعاصِفة من أنوثة تَتوقُ إلى التوحُّد والتكامُل والاندِماج، أوَليس الأنثى مَن تدفع مِن رُوحها وفؤادها انطِلاقات الحياة؛ لتَبدأ البداياتُ، وتَكتمِل الأدوار، وتتشكَّل النهايات؟ سرعتها عاصِفة، تكاد تتشكَّل خفاءً يغيب عن الرؤيا ليُمعِن ثباتًا في الرؤى، تسمَّرتُ مَكاني كوَتِدٍ مَزروع في صخرة بركانٍ مُتقلِّب فوَّار، يتمخَّض المُهْل فيه تمخُّضًا يَجمع الألوان ويَمزِجها، رغم سُرعتها وتوثُّبها الكامل لم تَقترِب، وكأنَّ بيني وبينها مسافات لا تُحدُّ ولا تؤطَّر، هو الغوص في اللانهائي، اللامحدود، النأي عن حوافِّ الكون والسُّدُم والمجرات والكواكب، التوغُّل في انبِثاقات المجهول الذي يستقرُّ على أعصاب الحسِّ في أناملي، ضاعفَتْ مِن سُرعتها، توحَّدت بالتخفي، غاصتْ في مرمى رؤيتي وبصيرتي، أحسسْتُها تمامًا كشكْل النَّماء في تويجة الزهْر الممتصِّ للوجود. كيف يُمكِنُني التوحُّد فيها؟ الاندغام المُطلَق بسويدائها؟ هي الأنثى الخصْبة المُكتمِلة التكوُّن والاستدارة! وأنا الذَّكَر المسطح بشكل قامة! تبادُل التكوين مِن الاستِحالة، لكنَّ التوافُق مع الطبيعة مُمكِن، هي النَّخلة التي تَنتظِر الطلْع، التَّلقيح، هززْتُ نفْسي بقوَّة مارِد الأساطير ونفضْتُ طلْعي، تشابَكت الفضاءات واتَّسعت، ظلَّلتْنا دائرة، تَزاوجْنا، لم أكنْ على يَقين! كان نداء، هذا أنا على يقين منه، أهُوَ نداء اكتِمال التزاوُج؟ بدأتُ الاقتِحام، أهوَ اقتِحام الالتِحام والانصِهار والذوَبان؟ هواري بومدين الميناء، قبْل الهُبوط كانت البُشرى، وكانت لفتَة التنْبيه والانتِباه، مياهٌ داكِنة شديدة الانحِدار نحو اللون الكُحْلي المُمعن بالتشكُّل السطْحي العازل للرؤية، وكأنه يَحمي لحظات الميلاد الأولى مِن فُضولي ونبْشي لأعماقِه، تَندثِر نهاية تَحوطه مع اهتزاز الرؤية لماءٍ يَغتال التحوُّط فاضِحًا الأعماق، وما بين التحوُّط والفضْح خطٌّ طويل تتبيَّن منه ملامِح نهاية الكحْلي وبداية الأزرق الكاشِف لمُعجزة الله - جلَّ شأنُه - في البرْزخ المُقام بينهما حتَّى لا يبغِيان.