ذات خديعة الصفحة 5 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

عليك أن تكون أنت السراب المستنهض للأمل، لصوت الماء وهو يتقلقل ويرتجُّ مع تقلقل وارتجاج النُّوق، حتى يمتزجَ الخرير بجدران القِرْبة، فيتحوَّل إلى صوت خارج من طاقة القدرة والإلمام عن إدراك ماهيته، فلا هو بالخرير الممعن بالنقاء من الارتجاج، ولا هو الارتجاج أو التقلقل الممعن بالنقاء من الخرير، هو صوت الحياة إن شئت، وإن شئت هو صوت البقاء والتواصل والتوالد والانفتاح على الماضي والحاضر والمستقبل، بل هو رغم أنف مشيئة الخديعة بذاتها صوت المفاتيح المتناثرة في كل نسمة خفيفة ناعمة فوق البصيرة، هو صوت الأنفاس التي تُسوِّر المفاتيح بهالات الروح المولودة للتو واللحظة، وهو أيضًا هالات الروح المغادرة في التوِّ واللحظة، وهو بين البين في هذا وذاك، وهو كل ما تعرف ولا تعرف، ما يمكن ولا يمكن، المملوك والمستحيل، الكائن وما سيكون. قلت: لكنكِ نسيتِ شيئًا، فدرسُك الذي تَودِّين مني الإحاطة به، هو يسيرٌ إلى حد الانفعال والغضب والسَّوْرة، لكنه مُفرَّغ من رائحة الزيتون الكامنة الهدوء، ومن ورق التين المفروش بالخضرة المزدحمة بالسكينة، والأهم أنه لا يعرف روعة الليل المغرق تلحُّفًا في جُلَّنار الرمان الحامل في الثمر حُبَيْبات تكاد تضاهي الفيروز والشفق والغسق في نفس الآن، بعيدًا عن سنابل القمح التي تطرز الجبال والسهول والوديان بذهب يسبقُ سبائك الشمس وأَلَقها ورقصات توهُّجها، هو أيضًا لا يتساوق مع زهر اللوز الذي يكاد يمزق طهر البياض وعذريته الأبدية. نحن عرَفنا الغابات، اختبرناها، شجرة شجرة، وكائنًا كائنًا، حتى إننا استطعنا بخبرةِ ملحمة الرحيل المتواصل بين شقوق الشمس، ومزق القمر، وفتحات العتمة، وتسربات الضياء - أن نلمس بأناملنا، بل برأس الأناملِ، الهواءَ والنسيم والعواصف والرياح والزوابع والأعاصير، لمسًا مكَّنَنا من قدرة عدِّ الهدوء الذي في النسيم والهواء، والغضب الذي في العواصف والزوابع والأعاصير، فرَزْناه، كما يفرز الكون الوجود المخفي عن الأعين، وحتى هذا خبرناه، فحشَوْنا الغضب بطاقات الهدوء، والتفجر بالسكينة، والارتجاج بالثبات، وقلنا للغابات والصحارى ما قلناه، قلنا للصحارى: احتفِظي بوجودك كما أنت، فلا أروع من الأصل الذي خُلِقت عليه، فأنت كما أنت، شوكة تُدمِي روح الغابات التي تحاول اجتياز المسافات لتصل إليك، مُحمَّلة بطباعِ التماسيح والفهود والنُّمور، تُقاتِل ومنذ ملايين الأعوام لاغتيالِ السراب من بريقِ وبرقِ ترابك الذي يَغلِي حرارةً تُوشِك على الاشتعالِ، لولا طبع الكتمان وصبر المكان، لولا هذا الصبر لاغتيل السراب، الأمل، سراب الأمل الذي أوصل لنا عبرَ تاريخ الخديعةِ والملحمة صوتًا لا تخطئه الآذان، صوت الماء الساقط في حلق التشرد والتشريد والهجرة والتهجير، تنفتح العوالِم الخفيَّة تحت التهاب حرارة الرمل القادرة على امتصاص كل سائل، إلا سائل خطواتنا المرسومة على صفحات الذهب الذي ينادي ذهب السنابل الذي ينتظر المفاتيح. قلنا لك أيتها الأشياء: إننا نشعر بالألم حين نضع أقدامنا على الرمال الملتهبة، وإننا لا نُنكِر الوحشة والتحسُّب والتوقُّع الذي يقتحِمُنا حين يَقِبُ الليل ظلمته الخارقة السواد على الغابات، ولا ننكر بأننا فكَّرنا بانقلاب الجواري ونحن نتوزع ونُوزَّع عبر المحيطات، وأننا نرجف حين تنعقد عاصفة أو تتكوَّم زَوْبعة، لكنه ألم الحياة، الذي يُشعِرنا بقوة الخوض من أجل إيجاد نهايةٍ لمثل هذا الألم، حتى الألم سخَّرناه لإرادة المفاتيح، الحلم، الأمل، وكذلك فعلنا مع الرجفة وانتفاضة الجلد أمام المحيطات. لم نَزِدْ عن القول: إننا بشر، ولا نريد أن نزيد على ذلك شيئًا، لكننا بشر نحمل خصوصية الخبرة الطافحة بالتناثر كرذاذِ النَّدى في كل صباح من صباحات الكرة الأرضية، وخصوصية الانتشار كهمي وضباب وبخار، ككائنات تعتلي الآفاق في مساء من مساءات الكرة الأرضية، خصوصية النور والإشراق والضياء، كنورٍ متأنق من قمر يطلُّ بخجل أنثى تتوسَّد مَخْدعَها ليلة دخلتِها، وكشمسٍ ولدت بفجأة الانبعاث لتطلَّ من كل الجهات على الأرض المنتشرة فوقها، خصوصية الليل المعقود فوق شيء كان قادرًا على إبصار ذاته وغيره، ولحظة الانعقاد الظلامي شُلَّت قدرة بصره وبصيرةُ الشيِّ، لكن بصر الظلام وبصيرته كانت لنا طوعًا، فكنا قادرين على الانتشار حتى مع الرجفة، مزودين ببصر وبصائر، رغم تنافرها وتباعدها وتضادِّها، فإنها لا تملك ولا تستطيع أن تملك التوحد والتواؤم إلا فينا ومن خلالنا.