ذات خديعة الصفحة 4 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

هذا الاتفاق بيننا وبين النمل والنحل، فالنمل يظل يقاتل قتال البقاء والصمود والتشبث والإيمان، بأفراد تمدُّه بأفراد، ويظل متمسكًا بورقة يريد اقتطاعها دون أن يغادرها والنيران تقترب منه، يظل مؤمنًا بحقه في البقاء والتشبُّث، والنيران تأكله بسرعة البرق وببطء الحلزون، فتتوالد أجيال جديدة من السويقة نفسها وهي مُتخَمة بالتخلُّص من النمل، فتصعقُها صاعقة برق حين تتكالب عليها أرتالٌ من نملٍ يحمل رائحةَ مَن حُرِقوا دون أن يتركوا حقهم في البقاء والصمود والاستمرارية. وبهذا أيضًا نتشابه مع النحل، فنحن نربطه ومنذ الأزل بأرواحنا المعلَّقة بالإيمان الحتمي بوجود إله واحد، يرعى المصاير والأقدار، ومن إيماننا به ما زلنا ننقع المفاتيح بالصبر المتأني الذي يُربِّي الأمل المتفجِّر، كنا منذ أجيال، هناك في الخلايا والأعشاش التي تتخذ من قممِ الجبال وذوائب الأشجار مسكنًا، فتعمل وتعمل، دون كلل أو ملل، أَلَم أقل بأننا ربطنا أواصرَ شديدة مع النمل قبل لحظات، فتعلَّمنا منه وعلَّمناه، الدأب المتسلسل بدأب، حتى أصبح وأصبحنا مثلاً؟ كذلك كانت عَلاقة العذرية الجميلة، المفضوحة الجمال، مع النحل، عَلاقة البرق المتخفِّي في الضياء المسروق من لحظات هائلة، وعَلاقة الرعد المختطَف من اندماج الآفاق والفضاء والأكوان، عَلاقة الرؤيا والسمع، التعليم والتعلُّم، حتى تزاوجنا تزاوجًا وجوديًّا، أنجَبْنا من خلالِه القدرة على التضحية من أجل بقاء مَن سيملك القدرة على التضحية، كسلسلة تفرخ وتبيض وتتناسل وتَلِد، تُتقِن كل فنون الإخصاب والحمل والولادة. لكننا اختلفنا مع الأسود والنمور والفهود، مع التماسيح وأفراس النهر والضباع، أخذنا منها ما يتصل بالقدرة والاقتدار، الجري السريع المتواصل، الوَثْب والقفز والانقضاض، القدرة على مسح الوطن المسكون بقلوبنا بآثارنا ورائحتنا، لكننا رفضنا، رفض الأحرار المجبولين على الوفاء، أن نأكل أولاد الغير، حتى لو ضحَّيْنا بما نملك من إخصاب ونَماء وأرحام ولادة، لم نقبل عذرَ التماسيح التي أكلت ذرِّيتَها من أجل بقائها على الحياة؛ لذلك وزَّعنا أنفسنا، قلوبنا المثقلة بالأسى، أرواحنا المعتقة بالوجع، وأفئدتنا التي اتَّقدت فيها أَلْسِنة لَهِيب الغربة، على الغابات والسهول والسُّهُوب، حاولنا بما نملك من رحيل وتَرحال أن نُغيِّر ما في الأسود من نوازعَ، وما في التماسيح من تبريرات، أهدينا الأشجار والأحجار والفضاءات المحيطة بالأدغال أنفاسَ السكن والسكينة، حتى حين أحسَسْنا بأن ما نُقدِّمه لتلك الغابات يكاد يكون نِثارًا من هباءٍ، رفضنا الإحساس، وزوَّدنا النِّثار بطاقة البقاء في بؤرة العطاء، وما زلنا نُزوِّد الهباء الموزَّع هنا وهناك، بمحركات الأحاسيس التي تنبتُ من الياسَمين حليبًا تمتصُّه الأجنَّة الساكنة في النثار. قالت الأشياء: أَوَتظُنُّ بأن الغابات ستتجرَّد من ظلالها وأشباحها وفتحات الشمس التي تتسلل من الذوائب؟ أم أنها ستتنازل عن طبع يأبى التطبع؟ هي الغابات أيها المشرَّد، كانت مذ وُجِدَت وستبقى تزودُ ذاتها بالتحلل الذي تصنعه الأنياب المختلطة بأنواع السموم، ما زالت رغم أنها شرِبت كميات هائلة من الدماء، من الأرواح، من الأجساد، من الأشجار، من الصوان، ومن الهواء والشهد، من الآثار الغابرة المغبرة، من الذكريات والأوجاع والعذابات، من شهقات الموت المترصِّد كل شيء، ما زالت رغم ذلك، هي المحشوة بالجوع والسغب والأُوَم والصدى، وما زالت تطلُّ من علوها إلى السراب الذي يسكن الصحارى بتوقِ المفترس الذي أفلتَت منه الضحية بعد تذوُّقه طعم الدماء واللحم، وستبقى تطارد السراب مطاردة نجمٍ للضياء، ولن تتوقف حتى وإن انتهت الحياة بها، ستدفن رغبتها الجامحة في عمق المجهول، وستنتقل إلى الغابات الناشئة المتكوِّنة في أماكن أخرى، وسيبقى السراب في مرمى شهوتِها حتى لو اختفى لمعانُه لبُعْد أو مسافة أو زمن أو مكان مُتغيِّر. أَأُشفِقُ عليك؟ يجب أن تتعلَّم، بعد هذا الرحيل المتواصل بالتَّرحال، بعد هذا التشرد الموصول بالتوزُّع والتفرُّق، بعد هذه الخديعة، وهذه الخديعة المتصلة بخديعة تتصل بخدع، عليك أن تفهم كيف تتنفس الغابات، وكيف يستطيع السراب أن يُعذِّبها ويصلبها على نيران التوق المستحيل، السراب ليس وهمًا كما تعتقدُ وكما يعتقد الآخرون، اعتقاد الآخر لا يهمني، لكن عليك أنت صاحب الملحمة التي لن يستطيع أحد يومًا ما أن يصل فقط إلى تدوين نقطة بدايتها، عليك أن تدرك بأن السراب يحمل في تكوينه الخفي الحياة والنجاة والبقاء والديمومة. لولا السراب لوقَف الناس وسط الصحراء ينتظرون حتفَهم بخنوع مفرطٍ، لكن ولأن السراب أدرك وسَبَر أغوار الغابات التي تتطلع ومنذ البَدْء إلى امتصاصِه ونفيِه عن الوجود، نما وتمدَّد، توزع على مساحات الصحارى؛ ليستنهض الأمل المذبوح لفحًا وفحيحًا وقيظًا، يدفعه نحو التصور بأن ما يراه هو سر النجاة والبقاء والحياة والوجود، ارتبطت الروح المعلقة بالرؤيا، فتم اصطيادُ المشاعر، نهض المذبوح من جثته، وأسرع يلاحق الوميض المتقدِّم بُعدًا عنه، يغُذُّ الخطى، يسرع ويسرع ويسرع، وفجأة، من قلب المجهول، يأتي صوت، صوت لا تستطيع الأذن أن تتعدَّاه أو تخطئ في تحديده، فيه نسمات فياضة، وموسيقا حياة، مياه تتحرَّك في قِرْبة ماء على جمل في قافلة، تدق الحياة أوتادها بقوة، نقاط قليلة تنقط في الحلق، يلتَئِم الوريد المذبوح، تكبر الصحارى وتتسع، فتبدو للعين وكأنها بساتين غنَّاءَة، تزدحم بالنسيم الرقراق المنبعث من ظلال السراب الذي لولاه لدفنت الروح بالأمل في رمل متَّقِد ملتهب.