ذات خديعة الصفحة 3 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

افتح كتب الآثار، في المكسيك والسودان ومصر، أو نقِّب تحت الرواسي، وفوق سنام الجبال، جرِّب أن تخرج كتلة جليد من القطب، عمرها مليون مليون عام، ستجدنا نشارك في التركيبة، في العناصر، في التكوين، هي رحلتنا التي لم تكن نحو شرق أو غرب، شمال أو جنوب، بل هي مرافقة للتكوين، للطبائع، للتشكل، نحن جزء من الدَّحوِ الذي جعل الحياة ممكنة. قبل أيام كنت في البرازيل، صافحت شخصًا، قال: إنه فلسطيني، وقبل ذلك بلحظاتٍ كنتُ في فلسطين، فقال الناس: إنهم فلسطينيون، بعد دقائق كنت في غينيا، وقبل ثوانٍ من ذلك كنت في بلاد السند والهند، قابلت السندباد، هرب مذعورًا إلى جحر صغير صغير، وفي مكان ما التقيت بأهل جلجامش، فور رؤيتي أصيبوا بخزي الذل والعار؛ لأنهم ظنوا ذاتهم يومًا أصحاب ملحمة، وحين التقيت حمورابي وهو يحتسي القهوة مع الفراعنة، ومع الأمازيغ، ومع حكام المايا، وقف ووقفوا إجلالاً واحترامًا لأسطورتي وملحمتي التي لم تقبل أن تكون حاضرًا ومستقبلاً، بل امتدَّت لتتشكل في عين الماضي فتضع غمامة مُترَجْرِجة على الادِّعاء بعظمة مأساةٍ تفوقُ مأساتنا، أو ملحمة تتشابه مع ملحمتنا، أو هجرة تقابل هجرتنا. قيل لنا ذات خديعة: بأن الأسود لا تأكل الجِيَف، وأن الحيوانات لا تأكل أولادها، صدَّقنا ذلك، كما صدقنا العرب يوم قالوا بذات خديعة وخيانة: أخلُوا الساحة للجيوش، واحملوا الأحلام والمفاتيح، استعدادًا للعودة. اكتشفنا حين كبِرْنا بأن الأسود تأكل الجيف، وتأكل وتقتل أولاد أنثى ستبني بها، كما الضباع والكلاب والنسور والعقبان! واكتشفنا حين نضجنا بأن التمساح يأكل أولاده واحدًا تلو الآخر، من أجل البقاء حيًّا! وأن العنكبوت تأكل زوجها! واكتشفنا، حين أصبحنا الملحمة والأسطورة والخرافة والوهم الخاضع للحسِّ، بأن العرب لم يختلفوا أبدًا عن الأسود التي أكلتِ الجِيَف، لكنهم لا يأكلون إلا الأحياء قبل نفوقِهم، وكما حجة التمساح أنه يأكل أحد أولاده من أجل أن يحتفِظَ بحياته لحماية بقية الذرية، فإن العرب قدَّموا نفس العذر حين أكلونا كما الغيلان والأشباح ومصَّاصي الدماء؛ من أجل حماية ذلِّهم وعبوديتهم وخضوعهم على عروشٍ فيها صَوْلَجان على عبيدِ العبيد. وتقدمنا نتلمسُ الأشياء والمستغلق والمُبهَم، تعلمنا واكتشفنا، تجذَّرت الجذور بأعماق أعماق ملحمتنا، تابعنا النمل والنحل، قالوا ذات الخديعة ذاتها بأن الحشرات تدعو للتقزُّز، فمنها تأتي الأمراض، ومنها تخرج الأوبئة، صدقنا تمامًا كما صدقنا يوم حملنا المفاتيح على الكواهل وفي المهج، لم نُخفِها عن تقلُّبات الفصول؛ كي تنجوَ من التفاعل مع الزمن، بل أشهرناها بجانب الأرواح والمُهَج، كسيف سيف الدولة الحمداني، وصلاح الدين الأيوبي، وكما رمح عمار بن ياسر، وخَنجر أبي أيوب الأنصاري، فكلها تدورُ في رحلات العمل والتجدد والنَّأْي عن الخضوع لطقس أو تأثير لتلف، ففتح المستغلق بابه، وأشرَع المُبهَم نوافذه كلها بعُرْي مكتمل النضوج والمشتهى، وجاءت الأشياء ساعيةً من بين ثنايا كل ذلك، قالت: كم أنتم طيِّبون وحَمْقى، كم أنتم أطفال براءةٍ لا تريد مغادرتكم، ولا تودُّون الانتقال منها إلى شباب، كم أنتم مُرْهَقون ومُرْهِقون، كم أنتم ما زلتم أنتم! قلنا: قيل لنا. قالت الأشياء: كم مائة مليون مليون مرة قيل لكم! قلنا: ولا زال يقال لنا. قالت الأشياء: وسيظل يقال لكم، ألم يُحدِّثكم النمل عن ذاته؟ ألم يُحدِّثكم النحل عن ذاته؟ قلنا: سنُحدِّثك نحن عن النمل وعن النحل، حديث الروح لطقس خارج من سَحابة مُثقَلة بالحمل، يَكْبَر جنينُها ويتمدَّد، فتفتح رحِمها من جهاتٍ مُتعدِّدة، لتنثر الحياة في أماكنَ كثيرةٍ، منها الأنهار المشبَّعة بالمياه، ومنها البحار المكتظَّة بالموج المتلاطم، ومنها المحيطات التي تحتضنُ البحار باكتظاظها، والأنهار بتشبُّعها، ومنها الجداول والغدران وحتى الكهوف وباطن الأرض، ومنها ما تزجيه حتى للغبار المتصاعد من جحافل الخيل التي شهِدت معارك بدرٍ وأُحُد وتبوكَ، وإمعانًا في الكرم، فإنها تمنح جذور الزيتون ما يصنع الزيت المبارك الذي يكاد يضيء لو لم تمسَسْه نار، وجرحًا للجود وأَنَفتِه، فإنها تفتح في الصحارى أنفاس الحياة التي كانت مطمورة تحت عذاب وإرهاق التأجج والاحتراق، والتلظي والشَّيِّ، لتبثق الحياة وهي تفح الموت فحًّا خارج نطاق غرغرتها، ولا تنسى تلك الغَيْمة أن تتمدد لتمنح حتى الجليد المتكوِّن كجبالٍ رمقًا من زيادةٍ للشعور المطلق بسطوة الحياة والكرامة. خرافة تفوق الخرافة، تلك الغَيْمة، ولو قُدِّر لنا نحن أن نتتبع ملحمتها منذ البَدْء وحتى نثر الحياة على كل الأشياء والمساحات والآماد، لو قُدِّر لنا ذلك، وهو عين المستحيل الذي لا يتشابه مع المستحيلات التي عرَفها البشر؛ لأدرَكْنا ببساطة الطفولة والبراءة بأننا لا نقبل تسميتها ملحمة، بل شيء لا يقترن بوصف أو شبه أو تشابه، هو فوق الوصف، فلا اللغة تسعف، ولا الإدراك يحيط، ولا الكون بقادر على تحديد نقطة النشوء لتلك الغيمة التي تتعالى على كل ذلك بما تحمل من حياة. نحن نفوقُ تلك الغيمة، في التشابه والاستعصاء والإدراك، فكل التاريخ الذي كتب وسيكتب ويكتب، لن يستطيع الإحاطة بشهقة مفتاح مدفون في مهجة صبية تكاد تقزم الغابات في عذريتها وأَلَقِها وصفائها، بل في زفرةِ مِفتاحٍ يسكن عينَي طفلٍ خرج من رحم لحظة انتقاله للموت، هي لحظة الولادة التي تأتي لتنتصر على من يريد لذاك الرحم أن يجف، أن يصبح موتًا لا يمكنه ضخ حياة وصنع وجود، لكن وقبل أن تكون الشهقة الأخيرة، قبل ذلك بلحظة مقتطعة ومخطوفة مما لا يمكن حسابه، ينفتح الرحم على مداه، فيخرج طفل وطفلة، وتذوى الحياة في الرحم، ليكون هناك امتداد البقاء لذوائه، طفل يستطيع أن يزرع البقاء في رحم ينتظر، وطفلة تنتظر أن يزرع في رحمها بقاء جديد.