ذات خديعة الصفحة 2 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

نحن في تشتُّتِنا رسَمنا على جدار الأزمنة والأمكنة، الجهات وما بينها من فرج وشقوق - رحلة الخيال والأسطورة المُحمَّلة بالعذاب، والتَّوْق، والوجع، والإيمان، والعودة، كنا نُطوِّع الخيالَ، الأسطورة، الملاحم، الأوهام، لنُحوِّلها بخطواتِنا التي لم تترك ذرةَ ترابٍ فوق الأرض، أو ذرةَ ترابٍ صعِدت من باطنها، إلا ورسَمنا آثار أقدامنا وأحلامنا عليها، لو حملتَ ذرةَ جليدٍ وترابًا مغلَّفًا بالجليد في القطبينِ، وحملتَ أخرى من الحد الآخر للكرة الأرضية، أو بصورة أدق: لو ظللتَ تسيرُ بشكل دائري عبر أزمان وأجيال، عبر وديان وجبال، بين فجوج وسهول، بين بحار ومحيطات - لَمَا استطعت أن تنجوَ من شهقة أو زفرة فلسطينية هنا وهناك، ولو قُدِّر للبشرية أن تفتح لحظات وهُنَيْهات الزمن، أو تشق شقوقًا في جسد الآماد والمساحات، لسمِعوا بوضوحٍ صوتَ الدموع وهي تتساقط لترسمَ اسم فلسطين في كل الأشياء والمكونات، كل الأساطير والأوهام والملاحم، كل الخرافات والمستحيلات أعلنت خجلَها من ذاتِها، وصغرت حتى حكمت على ذاتها بالتلاشي حين رأت رحلتنا ترسم كل ما سبق ممكنًا وكائنًا يفوق كل تلك الأساطير والملاحم والأوهام والمستحيلات. قال لنا العرب ذات خديعة ممعنة في الخديعة: احمِلوا أحلامكم وأدمِجُوها بإيمانكم، على كواهلكم، وعلى سواعدكم، وبين الأصابع، اتركوا الشواهد تشهَدُ على المفاتيح المعلقة بقلوبكم، تيقَّنوا من العودة، وإياكم وصدأَ المفاتيح، فإن الصدأ قد يعطل المفتاح، لا تقلقوا من الصدأ؛ فعودتكم أقرب من قمة المفتاح إلى قاعه، اغرِسوا الأمنيات بقلوبكم الراجفة؛ حتى تطمئن القلوب وتتسع الأمنيات. كنا يومها نحمل العَقْد الذي بيننا وبين العرب، ففيه صفحات من تواريخ لا تُنسَى، ظننا أنها تتشابهُ مع صفحات العقد الذي وقَّعناه إيمانًا واطمئنانًا بالعرب، حملنا الآمال، رَشَشْناها برذاذِ التصديق، وهمي اليقين، لم نُبعِد المفاتيح عن الشواهد إلا حين كنا نشهد لله بوحدانيته، وللرسول صلى الله عليه وسلم برسالته، ظللنا ملتصقين بالحلم، بالعودة، ويقين العودة، إلى أن جاء زمن يتلوه زمن. نظرنا في الآفاق، فعرَفنا أن صراعَنا مع اليهود هو أقل الصراعات عنفًا وقوة، وأدركنا بأن الوطنَ لو تُرِك لنا نحن فقط، لكُنَّا أعدنا دوران المفاتيح بالأقفال في فترة بسيطة، عرَفنا وبعد فوات الأوان بأن العرب كانوا ضمن الصراع والمعركة، لكنهم كانوا يدفعوننا للخروج؛ من أجل تمكين القادمين مكاننا، ذهلنا حين أدركنا معنى الانسحابات المتتالية، ومعنى الهدنة، ومعنى التقسيم، وأُصِبْنا بالرجة حين سمِعنا الجيش العراقي يبكي بحرقةِ الهزيمة وهو يستخدم لفظًا سيدخل قاموسَ رحلتنا وترحالنا: “ماكو أوامر”، ونسفنا من جذورنا حين وقفنا أمام مقبرة شهداء الجيش العراقي، واجتثثنا حين قُمْنا بعملية حسابية بسيطة لتَعدادِ المستعمر وتَعداد العرب والمسلمين. نُفِينا، وسُبِينا، ووُزِّعنا كعبيدٍ على الأقطار العربية، وعلى حوافِّ الكون وقطر دائرته، ذُبِحنا وجُزِرنا فوق وطنٍ كنا نظن أنه سيكون واقيًا لنا من غوائل المجهول والمعلوم، وعُذِّبنا فوق تراب يتحدَّث ذات اللغة التي تحدث بها تراب الوطن، وقليلاً قليلاً تحوَّلنا بنظر العرب الذين أرسَوا هجرتنا قبل أن يفكر الاستعمار بإرسائها إلى دمامل تفحُّ كأفاعي يجب التخلص منها، ركضنا بما أوتينا من قوة، من ساتر إلى ساتر، ومن جبهة إلى جبهة، ومن خندق إلى خندق، وكنا نظن، بذات الخديعة ذاتها، أننا سنملك يومًا حرية الموت في سبيل الله ثم الوطن. حتى هذه، لم يتركها العرب لنا، كان علينا أن نُواجِهَهم في مواقع ومواطن مختلفة، ونواجه أنفسنا وذواتنا، حين وزعنا العرب عبيدًا وتابعين لهم حسب الرغبة والقدرة في التحكم، نظرنا بعيونٍ تكادُ تلمُّ الأرض من أطرافها، إلى المفاتيح، فرأيناها تنتقل من شواهد جيل إلى جيل، ومن تجرِبة إلى تجرِبة، ومن مصر إلى أمصار، ومن أرض إلى أراضٍ، تشتَّت مثلنا، وطوردت بنفس الزخم الذي طوردت به آمالنا وأحلامنا، خِفْنا عليها من الصدأ، من التحلل، لكنا وجدناها تثبت ثباتَ الزيتون والخروب والبلوط، نبشنا دواخلنا، فتحنا مرافئ الألم على شواطئ العذاب، وأجرينا الجواري في محيطات اللوعة المنقوعة بشيح العروبة وحنظلِها، وجدنا أنفسنا كم أحاطت بها نوازل ومصائب وأرزاء الوجود، خِفْنا من ضيق الدائرة، دفعنا حدودها بكل ما نملك من ضعف، ولكن برجاء؛ رجاء قدير مقتدر، انسللنا من بين شقوقها كما تنساب النسمات في محيط الأدغال. ركبنا كل شيء، الجثث والأرواح المعتقة بالموت والنفوق، أبحرنا في دماء الجرحى المتدفِّقة منذ بدأت الخديعة، مشَيْنا فوق كساح المشلولين الذين وطَّدوا كساحهم من أجل عبور مُؤقَّت للبقاء وعدم الفناء، مررنا بين ضربات قلوب الأمهات مرورَ الرصاص الذي زُرع في مُهَجِهنَّ، ومن بين ذهول اليتامى الذين سفوا التراب بحثًا عن لحظة حياة تتعلق بعينٍ ترصد المفتاح بالشواهد، واندفعنا من بين أمهاتنا اللواتي اغتُصِبن بهذه الأرض المتحدِّثة ذات لغةِ الوطن المسروق، كنا نضجُّ بالوجود، وكان الوجود يضجُّ بنا، ضِقْنا بالحياة حتى ضاقت الحياة بذاتِها، رفعنا اللغة السومرية، والآشورية، الإغريقية والبابلية، وكل لغات الأرض حتى لغة الفراعنة، قرأنا عن نبوخذ نصر، وعن كورش، عن حمورابي، وعن أباطرة روما وحكام الإغريق، وجدنا أنفسنا في كل زاوية من تلك الزوايا، وفي كل حرف من تلك الحروف، من قال بأن جلجامش أو الأوديسا هي ملحمة، فهو أجهل من الجهل وأغبى من الغباء، لماذا كنا فيها ومحورها وركيزتها إن كانت ملحمة؟