تفسير ايآت القرآن الكريم الصفحة 3 من 30

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

ســـــورة البقـــــــــــــــــــرة وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى : (واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان وماكفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر – إلى قوله – ولبئس ماشروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) فيه مسائل: الأولى : كون أناس من أهل الكتاب إذا وقعت المسالة وأرادوا إقامة الدليل عليها تركوا كتاب الله كأنهم لايعلمون ، واحتجوا بما في الكتب الباطلة . الثانية : أن من العجب احتجاجهم بذلك على رسول من الرسل . الثالثة : ان الكلام يدل على أنهم يعملون لقولة : ( كأنهم لايعلمون) . الرابعة : أن المسائل الباطلة قد تنسب إلى الأنبياء كذبأً عليهم . الخامسة : أن الكتب الباطلة قد تضاف ألى بعض الصديقين . السادسة : أن ذلك مماتتلوا الشياطين هلى زمان الأنبياء ، كما وقع أشياء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . السابعة : أن الشياطين مزجت به الحق في زمن سليمان . الثامنة : بيان ضلال من ضل ممن يدعى العلم في شأن سليمان ممن نسب ذلك إليه واستحسنه ، أو قدح في سليمان كما ضل أناس كثير في علي لما قتل عثمان . التاسعة : أن من فعل السحر كفر ولو عرف أن باطل . العاشرة : أن الشياطين يعلمونه الناس . الحادية عشرة : أن العبد لو بلغ ما بلغ في العلم فلا يأمن مكر الله . الثانية عشرة : لاينبغي له التعرض للفتن وثوقاً بنفسه ، بل يسأل الله العافية . الثالثة عشرة : سعة علم الله ومغفرته ورحمته . الرابعة عشر : يجعل بعض نظره إلى القضاء والقدر . الخامسة عشرة : أن النساء من اكبر الفتن . السادسة عشرة: ان طاعة الهوى جماع الشر كما أن مخالفته جماع الخير. السابعة عشرة : أن الشرك الأكبر مما يخطر بالبال . الثامنة عشرة : أن التلفظ بالشرك بكلمة واحدة لايشترط في كفر من تكلم بها عقيدة القلب ولاعدم الكراهة للشرك . التاسعة عشرة : أن المتكلم لا يعذر ولو أراد أن يقضي به غرضا مهما ً. العشرون : أن قتل النفس أعظم من الزنا . الحادية والعشرون : أن المعاصي بريد الكفر . الثانية والعشرون : أن بعضها يجر إلى بعض . الثالثة والعشرون : أن عقوبة المعصية قد تكون أكبر مما يظن العالم . الرابعة والعشرون : أن قبول التوبة بلا عذاب لايحصل لكل أحد ، بل هو فضل من الله . الخامسة والعشرون : أن من النعم تعذيب العبد بذنبه في الدنيا . السادسة والعشرون : حسن الظن بالله . السابعة والعشرون : القاعدة التي هي خاصية العقل وهو ارتكاب أدنى الشرين لدفع أعلاهما . وتفويت أدني الخيرين لتحصل أعلاهما . الثامنه والعشرون : أن السحر نوعان . التاسعة والعشرون : أن له تأثيراً لقوله : (يفرقون به بين المرء وزوجه) الثلاثون : الإرشاد إلى التوكل بكونه لايضر أحداً إلا بأذن الله . الحادية والثلاثون : أن في من يدعي العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله . الثانية والثلاثون : انهم يعارضون به كتاب الله . الثالثة والثلاثون : أن اتباع كتاب غير كتاب الله ضلال . الرابعة والثلاثون : لا تأمن ا لكتب ولا من ينتسب إلي العلم على دينك . الخامسة والثلائون : أن فساد العلماء يفسد الرعية . السادسة والثلاثون : أن السحر وقع في زمن خلافة النبوة حتى أن عمر وغيره أمر بقتل الساحر ولم يستتبه كما استتاب المرتد . السابعة والثلاثون : أن الحسد سبب لردكتاب الله . الثامنة والثلاثون : أن الحاسد قد يبغض الناصح ويسعى في قتله . التاسعة والثلاثون : أن الحسد يحمله على رد حظه من الله في الدنيا والآخرة . الأربعون : انة من اخلاق اليهود . الحادية والاربعون : ان المحسود يرفعه الله على الحاسد. الثانية والآربعون : أن بالطاعة خير الدنيا والاخرة ، وبالمعصية العكس. الثالثة والأربعون : أن في من ينتسب إلي العلم من يختار الكفر على الايمان مع علمه أن من اختاره لا حظ له في الاخرة . الرابعة والاربعون : أن الإنسان يجتمع فيه الضدان يعلم ولا يعلم . الخامسة والأربعون : بيان غبنهم والتسجيل على فرط جهلهم في هذا الشراء . السادسة والأربعو ن : أن السبب في هذا الشرك اشتراء شيء خسيس تافه من الدنيا . السابعة والاربعون : أنهم لمحبتهم ما هم عليه من الجاهلية وغرامهم به نبذواكتاب الله الذي عندهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعرفونه . الثا منة والأربعو ن : أن الذي حملهم على هذ ه العظا ئم أنه أتاهم أمر الله موافق لدينهم لكن مخالف لعادتهم الجاهلية. التاسعة والأربعون: الفرق بين المعجزات والكرامات ؟ وبين ما يفعله الشياطين تشبها بذلك وتشبيهاً . الخمسون : التنبيه على قول الصحابي : أو يأتي الخير بالشر؟ وجوابه صلي الله عليه وسلم . الحادية والخمسون : أنه لا ينبغي للإنسان أن ينكر ما لم يحط به علمه ؟ فقد ضل بالتكذيب بهذه القصة فئام من الناس لظنهم أنها تخالف ما علموه من الحق ؟ وتكلم بسببها ناس في نبي الله سليمان بن داود عليه السلام . وقوله تعالي : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حي يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير ) فيه مسائل: الأولي: كون إناس ينتسون إل العلم والدين يجري منهم هذا عمداً جرا«ة على الله ، وما أكثر من ينكر هذا . الثانية : التنبيه على كثرة هذا الصنف . الثالثة : كون المنتسب إلي العلم يقضي إضلال غيره إذا عجز عنه . الرابعة : أن سبب هذا الأمر الغريب هو الحسد لا خوف مضرة ولا طلب مصلحة . الخامسة : أن المنتسب إلي العقل والعلم قد يسعى فيما يعم أنه مصلحة لدنياه ليزيله ، وفيما يعلم أنه مضرة لدنياه ليأتي به، فإنهم يعلمون أن زوال المفاسد وحصول المصالح في هذا الدين ، وكانوا يستفتحون به قبل مجيئه على من ظلمهم فلما جاءهم حملهم اهسا على ما ذكر . السادسة : أن الحسد قد يكون سببا للكفر كما وقع لهؤلاء ولإبليس. السابعة : ذكر العفو الذي هو من أسباب العز وقهر الخصم كما ورد في الحديث . الثامنة : الرفق في الامر وفعله بالتدريج كما فعل عمر بن عبد العزيز . التاسعة : انه سبحانه يمهل ولا يهمل . العاشرة : الاشعار بالنسخ قبل وقوعه . الحادية عشرة : تسلية المظلوم المحسود . الثانية عشرة : التنبيه على العلة . الثالثة عشرة : أنا الظالم الحاسد يذله الله كما جرى لهؤلاء إلي يوم القيامة . وقوله: (إن الله علي كل شيء قدير ) فيه: الرابعة عشرة : وهى الاستدلال بالصفات علي الأفعال . الخامسة عشرة : وهي الاستدلال بالقدرة علي ما لا يظن وقوعه . السادسة عشرة : وهي الاستدلال بها على جعل العفو سببا لعز العافي وذلة المعفو عنه عكس ما يظن الاكثر ، وأما الاستدلال بها على ما كذب به الجهال استبعاداًُ مثل عذاب القبر وغيره أو مثل الصراط والميزان وغيرهما، أو مايجري في الدنيا من تبديل الأحوال من الغني إلي الفقر وضده، ومن الذل إلي العز وضده ،فأكثر من أن يحصر . ولكن من أحسن ما فيها المسألة السابعة عشرة : وهي :تنبيه اعلم الناس علي اشكال المسائل بقوله : ( إن الله على كل شيء قد ير ) والله سبحانه وتعالي اعلم ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً، كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون . وقال : ذكر بعض ما في قوله تعالى : ( قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ) إلى قوله : ( يعملون )من بيان الحق وإبطال الباطل . الأولى : إذا كانت المحاجة في الله سبحانه من أقرب ما يكون اليه من المختلفين في مسألة التوحيد ، وبيان ذلك بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه ، ومعرفة حالنا وحالكم في المسألة ، وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم في العبودية ، بخلاف ملوك الدنيا ، فإن بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها ، ونحن مجمعون أيضاً أنه لا يظلم أحداً من عبيده ، بل كل نفس ( لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت)، بخلاف ملوك الدنيا فإنهم يأخذون مال هذا ويعطونه هذا ، فإذا كان الأمركذلك فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا ، ونحن له مخلصون وانتم به مشركون ؟ وكيف يظن به أنه يساوي بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه ؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم خصوصا إذا كان كريماً، أن من قصده وضاف عنده ولايضيفه ،ويخص بالرضا والكرامة والضيافة من أعرض عنه وضاف عند غيره ، مع استواء الجميع في القرب منه والبعد؟ هذا لا يظن في الادمى فكيفا يظن برب العالمين ؟ فتبين بقضية العقل أن ما جاء ت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل ، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل ، فيا لها من حجة ما أعظمها وابينها ، لكن لمن فهمهاكما يبغي . وقال الشيخ رحمه الله : ذكر بعض ما في قوله تعالى : ( وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) إلى الجزء، ففي الآية الاولى مسائل : الاولى: معرفة أنه تعالى حكيم لا يضع الاشياء إلا في مواضعها ، لأنه إماماً إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به . وسئل بعضهم أيما الابتلاء أو التمكين ؟ فقال : الابتلاء ثم التمكين . الثانية : إذا كان يبتلي الأنبياء هل يفعلونه أم لا ؟ فكيف بغيرهم ؟ الثالثة: الثناء على إبراهيم بأنه أتم الكلمات التى ابتلاه بها ، وقيل: إن الله لم يبتل أحداً بهذا الدين فآتمه إلا إبراهيم، ولهذا قال : ( وإبراهيم الذى وفىَّ ) . الرابعة: أنه سبحانه جازاه على ذلك بأمور منها أنه جعله للناس إماماً ؟ ولما علم عليه السلام كبر هذه العطية سألها للذرية وهى الخامسة . السادسة : أن الله أجابه أن هذه المرتبة لاينالها ظالم ولو من ذرية الأنبياء . السابعة . أن هذا يدل على أن الإمامة في الدين تحصل لغير الظالم فليست بمختصة . الثامنة . معرفة قدر هذه المرتبة التى أكرم بها وهي الإمامة في الدين . وأما الآية الثانية ففيها مسائل : الأولى: كونه سبحانه جعل البيت الذ ي بناه إبراهيم مثابة مع المشاق العظيمة ، وذلك من الآيات . الثانية : أنه جعله أمناً عند الكفار، وذلك من أعجب الآيات . الثالثة : أمره أن يتخذ من مقام إبراهيم، مصلى ، وهذا من الخصائص، فيتفطن المؤمن لشبهة المبتدعة ،لأنه لا يجوز أن يتخذ من مقام غيره مصلى . الرابعة: أن فيها الرد على أهل الكتاب الذين لا يعظمونه مع ما فيه من الآيات، ومع ما عندهم من العلم بذلك . قال : وأما الاية الثالثة (ا) ففيها مسائل . الأولى: ذكره أنه عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه لهذه الطائفة ، ولذلك أنزل الله : ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ). الثانية : أن فيها الرد على أهل الكتاب والمشركين . الثالثة: العجب العجاب معاكستهم هذا الأمر ، فلا يردون عنه إلا الطائفة المأمور بتطهيره لهم . الرابعة:أنه نعتهم بالطواف والركوع والسجود والعكوف ، فدل على أن نفس العكوف فيه عبادة . الخامسة : أن التقدم عند الله بالأعمال الصالحة لا بالنسب ، فأمره بتطهيره لهم وإن لم يكونوا من ذريته وأمره بطرد ذريته عنه إذا لم يكونوا كذلك . وأما الآية الرابعة ففيها مسائل : الأولى : دعوة إبراهيم أن يجعله آمناً ، ولا يناقض تحريمه يوم خلق الله السموات والأرض . الثانية : دعوة إبراهيم ، للبلد وأهله بالأمن والرزق . الثالثة : الآية العظيمة فى إجابة هذه الدعوة . الرابعة : تخصيصه بها من آمن بالله واليوم الاخر . الخامسة : قوله ( ومن كفر ) فلما دعا بأمر الدين منع الله الظالم ذريته ، ولما خص بالأمر الآخر من آمن قال الله : ( ومن كفر ) وذلك للفرق بين الدارين. والسادسة . أنه لما أخبر أن ذلك للمؤمن وغيره فقد يتوهم منه كرامة الجميح ، فأخبر أنه لو عم العاصي فيه بالأمن والرزق فإنه يضطره الى عذاب النار . السابعة : أنه المجاورة عنده كما أنها تنفع المطيع فهي تضر العاصي لقوله . ( ثم أضطره إلى عذاب النار ) ولذلك انتقل ابن عباس منها إلى الطائف . وأما الأية الخامسة ففيها مسائل : الأولى: التصريح بأن الاثنين بنياه . الثانية : جلال الله وعظمته في قلوب الذين يعرفونه لدعوتهما بالقبول ، وكان بعض السلف لما قرأها جعل يبكي ويقول: ما بال خليل الله يرفع قواعد بيت الله ويخاف أن لا يقبله . الثالثة . توسلهما بالصفات . الرابعة: طلبهما أن يرزقهما الله الإسلام وهما هما ،والغفلة عن هذه الكلمة من العجائب . الخامسة: إشراكهما في الدعوة بعض الذرية ففيها رغوب المؤمن وحرصه على صلاح ذريته . السادسة: طلبهما أن يعلمهما المناسك ففيهما حرصهما على العمل بالنص مع عصمتهما . السابعة :طلبهما أن يتوب عليهماوهما هما ، ففيهما خوفهما من الذنوب الثامنه : التوسل بالصفات التاسعة : التعليل بكونه ( التواب الوحيم ) ولولا ذلك لاستحقا العقوبة . العاشرة : الرد على المشركين وأهل الكتاب . الحادية عشرة : أن دعوتهما بهذه النعمة التي هي أعظم النعم للذرية جعلها الذرية من أعظم المصائب . وأما الآية السادسة ففيها مسائل : الأولى: دعوتهما للذرية ببعثة الرسول ، فكانت عندهم أعظم البلاء مع دعواهم أنهم على ملتهما . الثانية : أنهما أرادا بذلك أن يعلمهم الكتاب والحكمة ويتلو عليهم الايات ويزكيهم ، قيل : إن استماع التلاوة والتزكي بها فرض عين ، وأما علم الكتاب والحكمة ففرض كفاية . الثالثة : أن نسبة الزكاه إلى السبب لابأس بها مع أن المزكي في الحقيقة هو الله وحده . الرابعة : التوسل بالصفات . وأما الآية السابعة : فهي من جوامع الكلم وأظهر البراهين فنذكرشيئا من ذلك: الأولى : أنه يبين أن ملة إبراهيم هي الإسلام ، ومنه تعظيم البيت وحجه ، ومع إقرار علماء أهل الكتاب لذلك يرغبون عنه ، وهذه مسألة مهمة يدل عليه قوله : ' ومن رغب عن سنتى فليس مني . الثانية : أن أكثر الناس رغبوا عن اسم الإسلام ، وعندهم لا فضيلة فيه ولابد عندهم من نسبة دين خاصة . الثالثة : أعجب من ذلك أنهم لا يعرفون معنى الإسلام )وعندهم لافضيلة فيه) بل هذا عندهم صورة لامعني لها . الرابعة : أعجب من الجميع أنهم إذا بين لهم معناه اشتد إنكارهم لذلك مع قراءة هذه الآية وأمثالها . الخامسة : التى سيق الكلام لأجلها أنك إذا عرفت ملته فالواجب الاتباع لا مجرد الإقرار مه المرغوب عنها . السادسة . أن من فعل ذلك لم يضر إلا نفسه . السابعة . أن ذلك في غاية الجهل والسفه الواضح مع ادعائهم الكمال في العلم . الثامنة : كيف يطلب أفضل من طريقة ،والله سبحانه هو الذي اصطفاه ، ووعده في الآخرة ما وعده بسبب طريقه . وأما الآية الثامنة : ففيها مسائل : الأولى أن مسألة الإسلام الذي هو سبب الكلام والخصومة أن الله سبحان هو الذ ي أمره بذلك . الثانية : أنه استجاب لله فيما أمره فقال : ( أسلمت لرب العالمين ) . الثالثة:. وصفه ربه سبحانه بما يوضح المسآلة، وهو الربوبية للعالم كله ، فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا التقرير والثناء والتوضيح للإسلام ، مع حقارته وإنكاره، عند من يقراء هذه الآيات وما بعدها . وأما الآية التاسعة ففيها العجب العجاب . الأولى : أن الله سبحانه ذكر أن ابراهيم وصىبالإسلام ابنيه وهما هما . الثانية : أن يعقوب وصى بها بنية وهم هم . الثالثة : تحريضه الذرية على ذلك بأن الله الذي اختاره لهم فلا ترغبوا عن اختيار الله . الرابعة : أن مع هذا التقرير الواضح عند من يدعى كمال العلم ، ويدعى اتباع الملة احقر الطرائق ولامدح فيه ،ولايصير من المسكوت عنه إلا من رغب عنه إلى اسم غيره ، وإلا من اقتصر عليه اتخذوه هزوا ، فاعتقدوا غاية جهله ،بل أفتوا بكفره وقتله . والخامسة قوله : ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) فحرضهم على لزوم ذلك إلى الممات ، وعدم الزيادة عليه لما في طبع الإنسان من طلب الزيادة خصوصاً مع طول الأمل . وأما الآية العاشرة ففيها مسائل : الأولى 0وصية يعقوب عند الموت ولم يكتف بما تقدم. الثانية : لبنيه وهم هم . الثالثة : أنه لشدة التحريض وكبر الأمر عنده أخرجه مخرج السؤال . الرابعة : أنه قال : ( من بعدي ) لأن الغالب أن 1لأتباع بعد موت كبيرهم ينقصون . الخامسة : جوابهم ( نعبد إلهك ) الآية لأن في هذا معني الحجه ، وظهور الأمر أن من اتبع الصالحين يسلك طريقهم ، وأماكونه يترك طريقهم بزعمه أنه اتباع لهم فهذا خلاف العقل . السادسة : قولهم : ( إله واحد ) يعنون للخلالق كلهم ، لكن متبع مهتد وضال . السابعة إخبارهم له بلزومهم الإسلام بعد موته . الثامنة : ذكرهم له أن ذلك الإسلام لله وحده لا شريك له ، ليس لك ولا لآبائك منه شيء . التاسعة : أن العم أب لأن اسماعيل عمه لكن مع التغليب . العاشرة : أن ذلك من أوضح الحجج على ذريتهم مع إقرارهم بذلك ، ومع هذا يزعمون أنهم على ملتهم مع تركها وشدة العداوة لمن اتبعها . الحادية عشر ة : أن فيها ردا عليهم في المسألة الخاصة ، وهي اتحاذ الأحبار والرهبان أربابأ . وأما الآية الحادية عشرة ففيها مسائل : الأولى: التى ضل بها كثير وهي ظنهم أن صلاح آبائهم ينفعهم. الثانية: البيان أن الذي ينفع الإنسان عمله . الثالثه: أن الذ ي يضره عمله ولا يضره معصية أبيه وابنه . واما الآية الثانية عشرة : فيها مسائل وهى من جوامع الكلم أيضا : الأولى: أن من دعا إلى أي ملة كانت وهي من الملل الممدوحة السالم أهلها قيل له: بل ملة إبراهيم لأنها إن كانت باطلة فواضح ، وإن كانت صحيحة فملة إبراهيم أفضل ، كما قال صلى الله عليه وسلم :'أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة ' . الثانية : وهى مما ينبغي التفطن لها أنه سبحانه وصفها بأن إبراهيم حنيفاً بريئا من المشركين ، وذلك لأن كلا يدَّعيها فمن صدق قوله بالفعل وإلا فهو كاذب . الثا لثة : أن الحنيف معناه المائل عن كل دين سوى دين الإسلام لله . الرابعة : أن من الناس من يدعي أنه لايشرك وأنه مخلص ، ولكن لايتبرأ من المشركين ، وملة إبراهيم الجمع بين النوعين . وأما الآية الثالثة عشرة ففيها مسائل : الأولى أمر الله سبحانه أن نقول :ماذكر في الآية ، وليس هذا من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل . الثانية: الإيمان بجميع المنزل . الثالثة :عدم التفريق بينهم . الرابعة : التصريح بالأسلام . والخامسة : التصريح بإخلاص ذلك لله ، وليس هذا من الثناء على النفس ، بل من بيان الد ين الذي أنت عليه ، ولهذا قال بعض السلف : ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه . وأما الآية الرابعة عشرة ففيها مسائل : الأولى قوله : ( فإن آمنو ا بمثل ماآمنتم به فقد اهتدوا ) فيها التصريح أن الإيمان هو العمل . الثانية : أن هذا الكلام في غاية إنصاف الخصم . الثالثة: أن الذي لا ينقاد له ليس داؤه جهالة بل مشاقة . الرابعة: أنك إذا أنصفته وأصر فهو سبب لا نتقام الله منه . الخامسة : الاستدلال بالصفات . وأما الآية الخامسة عشرة ففيها مسا ئل الأولى : قوله : ( صبغة الله ) أي دين الله فدل على أن ذلك هو العمل. الثانية: الدلاله الوضحة وهو أنه لا أحسن من الدين الذي تولى الله بيانه والأمر به . الثالثة . أنكم ايها الخصوم إن افتخرتم بإسلامكم للأنبياء والصالحين فإسلامنا لله وحده ، ومعنى ذلك لزوم هذا الدين الذي تولى الله بيانه . وأما الاية السادسة عشرة ففيها مسائل : الأولى: أمر الله لنا أن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة : فإذا كان الله رب الجميع ، وأيضاً أنه باقراركم ( أنه ) عدل لا يظلم بل كل عامل فعمله له ، وافترقنا في كوننا قاصدينه مخلصين له الدين وأنتم قصدتم غيره، فكيف يساوي بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل . الثانية : أن الخصوم محاجتهم في الله لا في غيره مع فعلهم هذا في هذه الخصومة. وأما الآية السابعة عشرة ففيها مسائل : الأولى. إن كانت الخصومة في الصالحين ودعواهم أنهم على طريقهم ، فهم لا يقدرون أن يدعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على طريقتهم، بل يصرحون انهم على غيرها ولكن يعتذرون أنهم لا يقدرون عليها فكيف هذا التناقض ؟ يدعون أنهم تابعوهم مع تحريمهم اتباعهم ، وزعمهم أن أحداً لا يقدر عليه ! الثانية : قوله : ( أنتم أعلم أم الله ) فهذه لا يقدر أحد أن يعارضها فاذا سلمها وسلم لك أن العلم الذي أنزله الله ليس هو لعدم القدرة فهذا الذي عليه غيره ، وهذا إلزام لا محيد عنه . الثالثه : أن منهم من يعرف الحق ويكتمه خوفأ من الناس مع كونه لاينكره، فلا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ، فكيف بمن جمع مع الكتمان دفعها وسبها وتكفير من آمن بها ؟ الرابعة : الوعيد بقوله تعالى : ' والله بغافل عما تعلمون' والله أعلم . وقال أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله : ' أم تقولون أن إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ' الآية فهذه حجة أخرى ، وبيانها أنا إذا أجمعنا على الإمام والأئمة أنهم ومن اتبعهم على الحق ، ومن خالفهم فهو على الباطل ، فهذه أيضا مثل التي قبلها ، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة بعدهم قد أجمعنا انهم ومن اتبعهم على الحق ، ومن خالفهم فهو على الباطل . فنقول : هذه المسألة التى اختلفنا وإياكم فيها هل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على قولنا أو على قولكم ؟ فإذا أقروا أن دعاء أهل القبور والبناء عليها ، وجعل الأوقاف والسدنة عليها من دين الجاهليه ، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك كله ، وهدم البناء الذي جعلته الجاهلية على القبور ، ونهى عن دعاء الصالحين وعن التعلق عليهم ، وأمر بإخلاص الدعوه لله ، وامر بإخلاص الإستعانة لله وبلغنا عن الله أنه يقول : ' لاتدعوا مع الله أحداً ' ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وأتباعهم ، والأئمة وأصحابهم على ذلك ، ولم يحدث هذا إلا بعد ذلك ،أعني دعاء غير الله والبناء على القبور ، ومايتبع ذلك من المنكرات ، فكيف تقرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة بعدهم على مانحن عليه ، ثم تنكرونه أعظم من إنكار دين اليهود والنصارى ، مع اقراركم أنه الدين الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابة والأئمة ؟ ام كيف تنصرون الشرك ومايتبعه، وتبذلون في نصره النفس والمال مع إقراركم أنه دين الله لو كنتم تعقلون !! وليس هذا في هذه المسألة وحدها بل كل مسألة اختلفنا وإياهم فيها . وأقروا أن ما نحن عليه هو الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فهذه الخصومة فيها واقعه فاصلة لها . فإن أقروا بذلك ولكن زعموا أن الناس أحدثوا أموراً تقتضي حسن ماهم عليه كقولهم : هذه بدعة حسنة فيها من المصالح كذا وكذا ، وفي تركها من المفاسد كذا وكذا ، فيجاوبون بالمسألة الثالثة ، وهي قوله : ' أأنتم أعلم أم الله ' فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقراركم أوصانا بقوله : ' عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ' فقد أقررتم أنه أمر بلزوم ماأمرتم بتركه ، وأنه نهى عما امرتم بفعله ، مع إقراركم انه اوصى بهذه الوصية عند وقوع الاختلاف في أمته ، مع إقراركم أنه لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فالله سبحانه قد علم مايحدث في خلقه إلى يوم القيامة ، ومع هذا امر بطاعة رسوله الذي أقررتم به وأنتم تشهدون انه قاله ، فإذا بان لك ان الأولى ، في الأمر بالاخلاص والنهي عن الشرك ، وان الثانية في الأمر بلزوم السنة والنهي عن البدعة ، بان لك أن هذا هو تقرير القاعدين اللتين عليهما مدار الدين ، وهما : لايعبد إلا الله ، والثانية لايعبد إلا بما شرع ، فالأولى قوله : ' إنما العمال بالنيات ' والثانية قوله: ' من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ' فإن كان المحاج لايقر ببعض ذلك بل أنكر شيئا من تفاصيل ماذكرناه ، فهي المسالة الرابعة وهو قوله : ' ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ' فغذا كان هذا في الكاتم مع المحبة وتمنى ظهوره ، ولكن أحب الدنيا عليه ، فكيف بالكاتم المبغض ؟ فإن كان يدعي أنه لم يفعل ذلك وانه تابع لهذا الحق لكنه يكتم غيمانه كمؤمن آل فرعون مع معرفتك أنه كاذب فهي المسألة الخامسة ، وهي أنه من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انهم جيرانه أو غير ذلك مثل مدحه الإمام الذي ينتسب إليه ، او أصحابه فهي المسألة السادسة وهي قوله : ' تلك امة قد خلت لها ماكسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون '.