تفسير ايآت القرآن الكريم الصفحة 14 من 30

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

ســـــــــــــــورة الكهف قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالي : ومن أول سورة الكهف ذكر ابن عباس أن سبب نزولها أن قريشاً بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلي أحبار المدينة فقالوا : سلوه عن ثلاث فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وألا فهو متقول : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما أمرهم فإن لهم حديثاً عجيباً ، وسلوه عن طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وسلوه عن الروح ، فأقبلا فقالا جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد فسألوه عن الثلاث فقال : أخبركم ولم يستثن ، فمكث خمس عشرة ليلة لا بأتيه جبريل فشق ذلك عليه ، حتى جاءه بالسورة فيها المعاتبة على حزنه عليهم وخبر مسائلهم (1). ففي الآية الأول مسائل : الأولي : حمده نفسه على إنزال الكتاب الذي هو أكره شئ أتاهم في أنفسهم ، مع كونه أجل ما أعطاهم من النعم . الثانية : أنه الإنزال على عبده ، ففيه بطلان مذهب النصارى والمشركين ، وفيه نعمته عليهم حيث أنزل على رجل منهم . الثالثة : أنه أنزله معتدلا لا عوج فيه ، ففيه معني قوله : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ) (2). الرابعة : أن الأعداء والمشبهين لا يجدون فيه مغمزاً بل ليس فيه إلا ما يكسرهم . وقوله : ( لينذر بأساً شديداً من لدنه ) ذكر الفائدة في إنزاله فذكر ثلاثاً : الأولي : لينذر عذاب الله فيصير سبباً للسلامة منه . الثانية : بشارة من انقاد له بالحظ المذكور . الثالثة : الإنذار على الكلمة العظمي التي تفوه بها من تفوه تقربا إلي الله بتعظيم الصالحين . الرابعة : الدليل على أن كلامهم لم يصدر عن علم لا منهم ولا ممن قبلهم . الخامسة : تعظيم الكلمة كما قال تعالي : ( تكاد السموات يتفطرن (1) منه ) . السادسة : أن الكذب يسمي كذباً ، ويسمي صاحبه كاذباً ولو ظن أنه صادق ، ويصير من أكبر الكذابين المفترين . وقوله : (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ) أي قاتلها أسفا على هلكتهم ، ففيه ما عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم من الشفقة عليهم ، وتسلية الله سبحانه له . وقوله : ( إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها ) فيه مسائل : الأولي : التسلية للمؤمن عمن أدبر . الثانية : أن حكمة التزيين ليبين الأحسن عملا من غيره . الثالثة : أن جميعها يصير ( صعيدا جرزاً ) أي لا نبت فيه . وقوله : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ) يعني أن قصتهم مع كونها عجيبة فيها مسائل جليلة أعظمها الدلالة علي التوحيد وبطلان الشرك ، والدلالة علي نبوته صلي الله عليه وسلم ومن قبله ، والدلالة علي اليوم الآخر ففي الآيات المشاهدة من خلق السموات والأرض وغير ذلك مما هو أعجب وأدل علي المراد من قصتهم مع إعراضهم عن ذلك فأما دلالتها علي التوحيد وبطلان الشرك فظاهر ، وأما دلالتها علي النبوات فكذلك كما جعلها أحبار يهود آية لنبوته و وأما دلالتها علي اليوم الآخر فمن طول لبثهم لم يتغيروا كما قال تعالي : ( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) . وقوله : ( إذا أوي الفتية إلي الكهف ) الآية فيه مسائل : الأولي : كونهم فعلوا ذلك عند الفتنة وهذا هو الصواب عند وقوع الفتن الفرار منها . الثانية : قولهم : ( ربنا آتنا من لدنك رحمة ) لا تحصلها بأعمالنا ولا بحيلتنا . الثالثة : قولهم : ( وهيئ لنا من أمرنا رشداً ) طلبوا من الله أن يجعل لهم من ذلك العمل رشداً مع كونه عملا صالحاً فما أكثر ما بقصر الإنسان فيه أو يرجع علي عقبيه أو يثمر له العجب والكبر وفي الحديث ( وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً) وقوله تعالي : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدي ) إلي قوله : ( من أمركم مرفقاً) فيه مسائل : الولي : من آيات النبوة وإليه الإشارة بقوله : ( بالحق ) الثانية : ( أنهم فتية ) وهم الشبان وهم أقبل للحق من الشيوخ عكس ما يظن الأكثر . الثالثة : قوله : ( آمنوا بربهم ) فلم يسبقوا إلا بالإيمان بالله . الرابعة : ما في الإضافة إلي ربهم من تقرير التوحيد . الخامسة : في قوله : ( وزدناهم هدي ) إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عمل بما يعلم أورثه الله تعالي علم ما لم يعلم . السادسة : أن المؤمن أحوج شئ إلي أن يربط الله علي قلبه ولو لا ذلك الربط افتتنوا . السابعة : قولهم ( ربنا رب السموات والأرض ) هذه الربوبية هي الألوهية . الثامنة : المسألة ألكيري أن من ذبح لغير الله أو دعا غيره فقد كذب بقول : لا إله إلا الله ، وقد دعا إلهين اثنين واتخذ ربين . التاسعة : المسألة العظيمة المشكلة علي أكثر الناس أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمناً حقاً كارهاً لموافقتهم فقد كذب في قوله لا إله إلا الله واتخذ الهين اثنين وما أكثر الجهل بهذه والتي قبلها . العاشرة : أن ذلك لو يصدر منهم أعني موافقة الحاكم فيما أراد من ظاهرهم مع كراهتهم لذلك فهو قوله : ( شططاً) والشطط الكفر . الحادية عشرة : قوله : ( لو لا يأتون بسلطان بين ) فهذه المسألة مفتاح العلم وما أكبر فائدتها لمن فهمها . الثانية عشرة : قوله : ( فمن أظلم ممن افتري علي الله كذباً ) ففيه أن مثل هذا من افتراء الكذب علي الله ، وأنه أعظم أنواع الظلم ولو كان صاحبه لا يدري بل قصد رضا الله . الثالثة عشرة : قوله : ( وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ) فيه اعتزال أهل الشرك واعتزال معبوديهم ، وأن ذلك لا يحرك إلي ترك ما معهم من الحق كما قال تعالي : ( ولا يجرمنكم شنأن قوم علي أن لا تعدلوا ) . الرابعة عشرة : قوله : ( فأووا إلي الكهف ) فيه شدة صلابتهم في دينهم حيث عزموا علي ترك الرياسة العظيمة والنعمة العظيمة واستبدلوا بها كهفاً في رأس جل . الخامسة عشرة : حسن ظنهم بالله ومعرفتهم ثمرة الطاعة ولو كان مبأديها ذهاب الدنيا حيث قالوا : (ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لمن من أمركم مرفقاً). السادسة عشرة : الدليل علي الكلام المشهور أن التعب يثمر الراحة والراحة تثمر التعب . السابعة عشرة : عدم الاغترار بصورة العمل الصالح قرب عمل صالح في الظاهر لا يثمر خيراً أو عمل صالح يهيئ لصاحبه منه مرفقاً وقوله تعالي : ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ) فيه مسائل : الأولي : كما آماتهم لحكمة بعثهم لحكمة . الثانية : أن الصواب في المسائل المشكلة عدم الجزم بشي بل قوله ( والله اعلم ) فالجهل بها هو العلم . الثالثة : التورع في المأكل . الرابعة : كتمان السر . الخامسة : المسألة العظيمة وهي قوله: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً ابدآ ) عرفوا لا بد من أحد الأمرين : إما الرجم ، وإما الإعادة في الملة ، فإن وافقوا علي الثانية لم يفلحوا أبداً ، ولو كان في كان في قلوبهم محبة الدين وبغض الكفر . وقوله تعالي : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) فيه مسائل : الأولي : أن الإعثار عليهم لحكمة . الثانية : معرفة المؤمن إذ أعثرنا عليهم ( أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) كما رد سبحانه موسي إلي أمه لتعلم أن وعد الله حق ، فتأمل هذا العلم ما هو . الثالثة : أن الساعة لا ريب فيها لما وقع بينهم النزاع ، وذلك أن بعض الناس زعم أن البعث للأرواح خاصة ، فأعثر عليهم ليكون دليلا على بعث الأجساد . الرابعة : أن الذين غلبوا على أمرهم قالوا لنتخذ عليهم مسجداً ، فإذا تأملت ما قالوا ، وأن الذي حماهم عليه محبة الصالحين ثم ذكرت قوله صلي الله عليه وسلم : ( أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنو على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) عرفت الأمر . وقوله : ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ) الآية فيه مسائل : الأولي : الإخبار بالغيب . الثانية : بيان الجهل والباطل بالتناقض . الثالثة : الإنكار على المتكلم بلا علم . الرابعة : إسناد الأمر في مثل هذه المسائل إلي علم الله سبحانه . الخامسة : الرد على أهل الباطل بالإسناد إليه . السادسة : أن من العلماء من يعرف عدتهم ، لكنهم قليل . السابعة : النهي عن ألمراء في شأنهم . الثامنة : الاستثناء . التاسعة : النهي عن استفتاء أحد من هؤلاء فيهم . وقوله : ( ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غداً . إلا أن يشاء الله ) فيه مسائل : الأولي : النهي عن مثل هذا الكلام . الثانية : الرخصة مع الاستثناء . الثالثة : الأمر بذكر الله عند النسيان . الرابعة : أن الاستثناء ينفع في مثل هذا . الرابعة : أن الاستثناء ينفع في مثل هذا . الخامسة هذا الدعاء عند النسيان إن صح التفسير بذلك . وقوله ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنسن ) إلي آخر الكلام فيه مسائل : الأولي : النص على مدة لبثهم . الثانية : الرد على المخالف بقوله : ( الله أعلم بما لبثوا ) . الثالثة : الرد عليه بقوله : ( له غيب السموات والأرض ) . الرابعة : الرد عيه بقوله : ( أبصر به وأسمع ) . الخامسة : قوله : ( مالهم من دونه من ولي ) . السادسة : كونه : ( لا يشرك في حكمه أحداً ) . السابعة : النهي عن إشراك مخلوق في حكم الله على قراءة الجزم . الثامنة : الحث على تلاوة الوحي وإن عارضة شبة أو شهوة . التاسعة : تقريره ذلك بقوله : ( لا مبدل لكلماته ) . العاشرة : تقرير ذلك بقوله : ( ولن تجد من دونه ملتحداً ) . الحادية عشرة : الكبيرة وهي أمره نبيه أن يصبر نفسه مع من ذكر. الثانية عشرة : أنه لا يضر المؤمن كراهة نفسه لذلك إذا جاهدها . الثالثة عشرة : أن بلوغهم هذه المرتبة بسبب فعلهم ما ذكر . الرابعة عشرة : أن صلاة البردين بالإخلاص توصل إلي المراتب العالية . الخامسة عشرة : فيه قوله : ' رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره '(2). السادسة عشرة : النهي عن طلوع العين عنهم إرادة لمجالسة الأجلاء . السابعة عشرة : المسألة ألكبري وهي اختلاف أمر الدنيا والآخرة عند الله . الثامنة عشرة : أنه لما ذكر المحثوث على مجالستهم ذكر ضدهم . التاسعة عشرة : نهيه عن طاعة الضد . العشرون : سبب ذلك . الحادية والعشرون : ذكر الخصال : الثلاث إغفال القلب عن ذكر الله وإتباع ألهوي ، وانفراط الأمر . الثانية والعشرون : إثبات القدر وهو الإغفال . الثالثة والعشرون : لا يخرجه من الذم أن قلبه يفهم غير ذلك فهماً جيداً . الرابعة والعشرون : قوله : ( وقل الحق من ربكم ) الآية . وقال في قوله : ( ولا يظلم ربك أحداً ) تنزيه عن الفقر والحاجة والجهل والخساسة ، ولكونه الغني القوي . الثانية : كونه سبحانه هو الحكيم لنزاهته عن الجهل والنقص ولكونه القدوس السلام .