سباعية التحدي الصفحة 5 من 7

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

تجمهر الناس في الزاوية الشمالية للقرية، حين وصلت السيارات العسكرية وهي تحمل أعدادا كبيرة من الجنود، كانت الدبابات قد أحاطت بالقرية قبل وصول الجنود إلى القرية، تركزت فوهاتها نحو حدود القرية ووسطها، تفرقت العصافير في الأفق محلقة بطريقة غير اعتيادية، وانتشرت الحمام رفا يغطي سماء القرية، حمام خائف وجل، يدرك بغريزته التي لا تكذب حجم الحقد الكامن في صدور الدبابات ومن عليها، حمام يعرف بالفطرة أن الزلزال قادم، لكنه زلزال بشري، لا علاقة له بخطر الطبيعة. خيم الصمت على الجميع في الوقت الذي ترجل احد الجنود من سيارته العسكرية متقدما الصفوف نحو البيت، الشارة التي فوق كتفه تدل على انه ذو رتبة رفيعة ومستوى مرموق، شدته الدهشة للوراء، نفض رأسه وكأنه قادم من عالم اخر وصرخ:- لماذا لم تخلو البيت؟ الم يصلكم الأمر قبل أسبوع؟ ما هذا العناد؟ ما هذا التحدي؟ - وهل يعنيك حقا إن أخلينا البيت أم لا؟ - لا، لا يعنيني أبدا، الأمر قد صدر وانتهى، وسأنفذه فورا لتكونوا عبرة لغيركم. - لقد هدمتم قبل هذا البيت الاف البيوت، وقلتم لأصحابها نفس الجملة، ولكنكم ما زلتم تهدمون، وعليكم أن تكونوا مستعدين لهدم بيوت هذا العام، والعام الذي يليه، ولأعوام قد تطول، ولكنكم يجب أن تتذكروا أن الذاكرة الشعبية للأجيال تتوارث، ويتوارث معها صورتكم وانتم تهدمون وتدمرون، والذاكرة لا تهدم ولا تدمر. ونحن نعلم من خلال ذاكرتنا أنكم قادمون للهدم، سواء أخلينا البيت أم لم نخليه. - إذن لماذا لم تخلوه؟ - حتى لا نمنحك شعور اللذة بإصدار أمر قابل للتنفيذ، أنت تستطيع أن تهدم البيت، ولكنك لا تستطيع إجبارنا على منحك صورة الإنسان. أشاح بوجهه بعيدا إلى حيث الجنود، نادى احدهم وبدأ يدندن معه بلغته الخاصة، فتوجه الاخر نحو صندوق كبير داخل الشاحنة الأولى واخرج كتلتان من حديد، عرفهما المحتشدون فورا، لقد أصبح منظرهما معهودا عليهم، ووسط الصمت الذي اخذ مداه داخل جميع الحلقات المصطفة كانت العبوتان الناسفتان قد جهزتا، وبدد الصمت دوى انفجار هائل، ارتفع بالجدران الثابتة مسافة عالية ليعيدها مكانها كومة من أنقاض حزينة تشير أصابعها الإسمنتية الساخنة نحو السماء. تحرك الجنود وسط الصمت الثقيل القاتل نحو سياراتهم، كانت الفرحة تبدو على محياهم، والبهجة كادت أن تتشقق من جلودهم، بدوا سعداء مرتاحين، خلافا للحظة وصولهم الأولى، وقبل أن يدور المحرك، التف راس الضابط لتظهر الشماتة في عينيه، لكنه عاد وأخفى رأسه بين يديه حين رأى أهل القرية يمسحون الأنقاض ويضربون... أوتاد الخيمة مكان البيت المنسوف