سباعية التحدي الصفحة 3 من 7

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

قيدوه بالسلاسل، مزقوا جسده بالسياط، اشبعوا جراحه ماء ممزوجا بالملح والبهار، أطعموا جسده للكلاب، خلعوا أظافره من جذورها، حمموه بماء شديد الحرارة، وعلى الاثر بماء شديد البرودة، ضربوه بالنوبات الكهربائية، اطفأوا الدخائن بكل أنحاء جسده، أرهقوه نفسيا وجسديا وعصبيا. هددوه بانتهاك عرض أمه وأخته وزوجته. لكنه صمد، عانى اشد الآلام وتحملها خوفا من السقوط، قال لنفسه:- لا املك إلا جسدا واحدا، فليفعلوا به ما شاءوا، لا املك إلا روحا واحدة فليأخذوها إن شاءوا، لكني سأصمد، وفاء لجسد رافقني منذ الطفولة، بل قبل الميلاد، وفاء لجسد تشكلت ملامحه من هواء وسماء وماء هذه الأرض، وفاء لروح لم تلامس تفتح الحياة إلا فوق هذه الأرض، أما أمي وأختي وزوجتي، فعليهن أن يصمدن صمود مآذن الأقصى وحسن بك، وعليهن أن يعلمن بان الأرض والعرض لا تحميان إلا بالصبر والثبات، أنا لا املك لهن إلا رعاية رب تعهد بحمايتهن. - من الخير لك أن تتكلم، من هم أصدقاءك؟ كان يدرك تماما ما معنى أن يتكلم، لو تكلم فانه سيحدث تقليصا بالدائرة التي صنعها خلال زمن طويل، والدائرة بحاجة لأن تتسع أكثر بكثير مما هي عليه الان، وما بين التقلص والاتساع يقع هو، بجسده وروحه، بعزمه وإرادته، وهو، هو فقط، من يستطيع أن يحافظ على القطر من التقلص والانحسار، عليه أن يتحدى بجسده الوحيد، وروحه الوحيدة، كل ألوان العذاب والألم والقهر، عليه أن يتحدى بقوته الذاتية الإيمانية كل قواهم المادية، انه المحور الثابت عليه قطر الدائرة، ليس أمامه سوى خيار واحد، خيار الصمود، كيف لا وهو المحور؟ - لم يكن معي احد، كنت فردا لا أكثر ولا اقل. - المماطلة لا تفيدك بشيء، ستتكلم شئت أم أبيت، اليوم أو غدا، في هذا الشهر أو الذي يليه، المهم انك ستتكلم رغم انفك. - لن أتكلم، لأني لا املك قولا غير الذي قلت. - سأقطع لسانك يا ابن '....'. - أنت اجبن من ذلك، أنت تحتاج لساني، تحتاجه أكثر من حاجتك لنفسك، لساني هذا اثمن الان من مئة مثلك. خيم الصمت، وعاد التعذيب يأخذ دورته الجديدة، ظهر الإعياء الشديد على الجسد المنهك، فصاح مدير التعذيب: حافظوا عليه حيا، إياكم أن يموت، نريده حيا، انه يملك الكثير، نحن بحاجة للسانه، أفهمتم؟ رفع جسده المنهك المتأرجح بالسلاسل، وقذف بنفسه بسرعة مذهلة في وجه احدهم، استشاط اليهودي غيظا وانطلق كالوحش نحو الجسد المقيد غارسا فيه قضيبا من الحديد. في الصباح كانت الجنازة تتجه صوب المقبرة، الآلاف تسير صامته صمت فخر واعتزاز، اختاروا له وسط المقبرة، ودفنوه هناك... فأصبح محورا لدائرة الشهداء.