سباعية التحدي الصفحة 2 من 7

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

انغرست قدماه في الوحل حتى الركبتين، رفعهما بقوة غير اعتيادية، انغرست من جديد، انتزعهما بسهولة، فأصبح الوحل فاقدا قوة الجذب التي يمتلكها، اتجه صوب بيدره، لقد اخبره أهل القرية أن السياج أصبح دائريا حول بيدره أثناء تواجده بالكويت. - لكنه بيدري، انتم تعرفون ذلك جيدا، وسيبقى كذلك رغم السياج. اصطدمت عيناه بالسياج، فانطلق كنمر غاضب متخطيا كل الحواجز الأولية، لم يلتفت للوحات المكتوب عليها 'ممنوع الدخول'، امسك البوابة بيديه وبدأ يخلخلها، وبلحظات بسيطة كان قد أتم انتزاعها، وما أن هم بالدخول حتى وجد صفا من البنادق التي تحدق به بشراهة وتعطش للحم والدم، تقدم احدهم ودفعه بيديه صارخا بلكنة عربية ركيكة:- اخرج من هنا، ممنوع الدخول. - لكنه بيدري، وأنا اعرف كل ذرة تراب فيه، واعرف أين كانت جذور القمح ترسو، وعلى أي عمق. اعرف بيوت النمل، واعرف متاهات الخلد، اعرف طعم الليل، ورقة الندى، هناك مرتع طفولتي، وهناك على الصخرة المنتصبة الشامخة كانت أمي تجلس لتمسح عرق أبي بيديها قبل أن يتناولا طعام الإفطار، وهناك لدغتني أفعى رقطاء، أفرغت سمها بدمي، لكن أبي دلك اللدغة بتراب البيدر، فمات السم، وهناك أيضا تعيش سلحفاة هرمة، أحبتنا وأحببناها، كانت صديقة عمري، وكنت صديق عمرها، شاهدت أولادها وهم يخرجون من البيض ليلامسوا التراب والندى والزهر، وقال والدي أن أجداده حدثوه عن أولاد خرجوا من البيض قبل أعوام طويلة، وهناك... لكن اليهود دفعوه قبل أن يكمل حديثه، حاولوا أن يخرجوه من ارض البيدر، لكنه تشبث بالأسلاك الشائكة دون أن يحس بألم الوخزات، اقترب منه يهودي أخر، صفعه على وجهه، فلم يسعه إلا أن ترك السياج ليوجه لوجه اليهودي بصقة ممزوجة بالدم، وعاد كالليث الجريح ليتشبث بالسياج من جديد ونظراته تمسح ارض البيدر بحنان العودة وإصرار البقاء. فرق السكون أزيز الرصاص المتجه صوب الجسد المتشبث بالسياج، فارتخى الجسد، وسكنت حركته، ثم سقط على السياج كتلة باردة لا حياة فيها، وفاض الدم من الجسد على ارض البيدر يرويه... حنان العودة وإصرار البقاء