سباعية التحدي الصفحة 1 من 7

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

لقد أنهكوه، لم تبق زاوية واحدة إلا ونظروا إليه من خلالها، استنزفوا كل طاقاتهم النفسية، والمادية، صوروا الأمر له سهلا لاشيء فيه من الصعوبة أو العناء، وضعوا أمامه كل الأحلام كحقائق، البيت الواسع فوق قمة الجبل الأخضر بزيتونه ولوزه، السيارة الوردية ذات الفرش الفخم، الأموال الطائلة، والفتيات، دنيا الشباب والرفاه كلها، دنيا الأمنيات البراقة اللامعة الواقعة بين أعطاف الحلم ونوازع الشباب المتقد الملتهب، دنيا الحلم الوردي المصاغ بأقلام رومانسية تعج بالحرارة اللاذعة للحقائق، دنيا الغرائز المتلاطمة في مجاهل موج عتي تزأر به تفاعلات مقتبل عمر يجوس أقبية الوجود بحذر الاكتشاف واندفاع الطاقة، كل الأشياء ستتحقق لك، ليس هناك أمرا تتمناه بعد اليوم، فقط اشر بإصبعك على ما تريد يكون لك دون نقاش.

دارت عيناه داخل صدورهم، حيث القلب المليء بالسواد، الغاص بالحقد، العاج بالمرواغة، جالت وسط السواد والحقد والمراوغة، فارتدت أوسع مما كانت عليه.
- الأمر لا يعنيني.
- لا نطلب منك الكثير، فقط أن تقول ما تسمع، وتحدث بما ترى.

اختفت عيناه في المحاجر، وغاب خياله بعيدا إلى أم عمر حين غاب جسد ولدها داخل المعتقل، ثم غابت روحه. أم عمر التي خرجت تستقبل جثمان ولدها بالزغاريد والفرح والدموع، كان المخيم قد خرج معها يزغرد بفرح ودموع، سجي جثمانه في غرفته الصغيرة المتواضعة، ففاح المسك وانتشر العنبر، جروحه لم تفرز غير دماء كانت تنقط لتدمج في تراب الأرض، وعلى صفحات كتاب ظل مفتوحا منذ غادر المنزل حتى عاد، دفتر توجته جملة واحدة – كم رخيص دمنا حين يراق من أجلك يا وطن – وانطلقت جنازة شهيد، كجنازة عمر المختار، وعبد القادر الجزائري، وعز الدين القسام، وعبد القادر الحسيني، جنازة شهيد، تظللها أرواح شهداء وملائكة، والتحم الجسد بالتراب، واحتضنت الأرض جسد شهيد، ملحمة الوطن والشهداء.

عادت عيناه مكانيهما، انطلقت كصاروخ، فارتجف الجسد حين أحس بدماء الشهيد تدفق في عروقه، انتفض واقفا وهو يصرخ...

أعرف طريق زنزانتي