رواية فوضى الصفحة 1 من 16

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

‘1’انحنى قليلاً، حاول أنْ يُمْسكَ رِباطَ حذائه لكنَّه تثاقلَ، كانتِ المسافة بين يديه وبين رِباط الحذَاء طويلة، رَفَعَ جسدَه وأخذَ نَفَسًا عميقًا، دقَّق في رباط الحذاء، فرآه متهدِّلاً مُتَّسخًا، مُلوًّى، بدأت الأفكار تهاجمه من كل الجهات، كيف يمكن السيطرة على التهدُّل والاتِّساخ؟ وكيف يمكنُ التخلُّص من الالْتِواء، أخَذَ مَوْقِعًا على الرصيف وجَلَسَ يفكِّر، قلّبَ الأمرَ من كلِّ جِهاته، وعلى كلِّ أوْجهه، الحذاء يضغطُ على القَدمين، والرطوبة تتسربُ إلى الجِسْم، الشقوق والاهْتراء يجلبان الكآبة إلى النفس، والتآكُل يهدمُ الإحساس، الثقوبُ المنتشرة في كلِّ الأجزاء تُرْهِقُ المشاعر، والرباط زادَ الأمورَ تعقيدًا خلفَ تعقيدٍ.

حدَّق بالمارة، فكَّر للحظة أن يطلبَ من أحدِهم المساعدة في ربط حذائه، لكن الحياءَ منعَه من ذلك، انتصبَ ليسير نحو زاوية مهجورة؛ من أجلِ العمل على ربْط الحذاء بعيدًا عن عيون المارة، لكنَّه خافَ أن يدوسَ الرباط فيسقط أمام الناس، نظرَ إلى الرباط بحنق بالغٍ، انْحَنَى من جديدٍ لكنَّ الرباط ظلَّ بعيدًا عن متناوَل يدِه.

سارَ وهو يباعد بين قَدَميه، أصبح كطفلٍ يخاف خُطواته، أحسَّ بحرارة شديدة تتسرَّبُ إلى ذاته، بدأَ جِلْده يحسُّ بأزمة مبالغ فيها، أزمة الحرارة الداخلية وبرودة الهواء المنتشر في الأجواء، اختلَّ توازنُ الإحساس لَدَيه، وأيْقَنَ بأنَّ المارَّة كلهم - ودون أي استثناء - يراقبون الخَلل في خُطواته، حاولَ أن يقرِّبَ بين الخُطوات، لكنَّ الرباط مالَ بسرعة نحو القدمِ اليُمْنَى، مما اضطره للمباعدة بين قَدَمَيه من جديدٍ.

بدأَ العَرَقُ ينْفرُ من مسامه، عَرَقٌ لَزِجٌ ثقيل، وهاجَمَ معدته ألمٌ مفاجئ، ألمٌ يثيرُ في النفس الغضبَ والتوتُّرَ، فهو لا يستطيع الشعور بالراحة الطبيعيَّة، وكذلك لا يستطيع أنْ يشعرَ بالألمِ الذي يَرْميه في الفراش، هو ألمٌ غريب، زوفان وغثيان يثيران التقزُّزَ والإعياءَ، اشتدَّ نفورُ العَرَق، أصبحتْ نفسُه موزَّعة بين العَرَق الحارق وبيْنَ الهواء البارد، ورباط الحذاء الذي يسخرُ منه ومِن إمكاناته.

مثل هذا الألمِ لم يكنْ غريبًا عنه، ربَّما شعر به في ظروفٍ غير هذه الظروف، لكنها بأيِّ حالٍ من الأحوال كانتْ تكشف عن أنواعٍ من العذاب والتلوِّي التي لم يكنْ يعْهَدُها بذاته، فهناك أحيانًا أشياءُ تستبدُّ بالنفْس، تمسكها، تقلِّبُها على نيرانٍ من ألمٍ ووَجَعٍ، دون أن نعرفَ سببَها، أو بداية نشْأتها؛ فهي تأتي كبَرْقٍ مفاجئ بسرعة تُشَابه الخيالَ، لكنها تبقى ساكنة فينا إلى أمدٍ طويل، ولكن مع احتفاظها بسرعة قُدومِها وغموض استقرارها، حتى تتوزع النفسُ بين الألمِ المضروب على مُحيط الجسد والنفْس كحصارٍ لا يُمْكن اخْتراقُه، وبين الغموض والمجهول الذي يشوينا شيًّا بطيئًا، ونحن نحاولُ أن نعرفَ ماهيتَه وتكوينَه، أصلَه ومنْشَأَه، لكن دونَ جَدْوَى، فهناك تآمرٌ كاملٌ بين المعلوم والمجهول، بين الألمِ والعذاب والغموض والمجهول، هو العيشُ بحالة من حالات المستحيل، مستحيل القادم، وما بين اليَدَيْن.

وقفَ تحت عمود النور، رآه مضاءً رغم أنَّ اليومَ في أوله، استغرب الأمرَ، حاول أن يجدَ سببًا منطقيًّا لذلك لكنَّه فَشِلَ؛ فالنور القادم من المصباح غزا نفْسه وأعماقَه، نور أصْفر باهتٌ حزين كئيبٌ، شعر بالاختناق، شعر بغضبٍ عارمٍ، واجتاحته فَوْضى مُشَتته، أرادَ أن ينفجرَ، أن يوزعَ أجزاءَه وشظاياه على الكون، حاولَ أن يخنقَ نفْسه بكمِّ الألمِ والكآبة والغثيان المستبد بذاته، لكنه فَشِلَ، فزادَ ذلك إحساسَه بالإحْباط والهزيمة، اندفعَ بكل قوَّته أمامَ سيارة كبيرة محاولاً الانْتحَار، لكن رباطَ حذائه أوْقعه على الرصيف، انتصب بتثاقُل، أصبحَ العَرَقُ يسحُّ من كل جسدِه، أحس بأنه بدأ ينتفخُ كبالون كبيرٍ، تحسَّس جسدَه، فأيقنَ أنه قاربَ على الانْفجار، فتحَ فمَه وهو يسحب من الجو كميَّات كبيرة من هواء، أرادَ أنْ يضغطَ جسدَه إلى حدِّ الانفجار، ولكنَّه أحسَّ بحركة في مؤخِّرته، أصاغ السمع جيدًا، كان الضراطُ قد فتحَ نافذة جديدة لتفريغ الهواء المضغوط، تحسَّس جسدَه من جديد فعرفَ أن التنفيسَ قد بدَّد آماله بالانْفجارِ.

تقدَّم قليلاً نحو الشارع، لاحظَ وبطرفة عينٍ سيارةً سريعة تطوي الأرضَ بِنهمٍ وجُنون، قذفَ نفسَه نحو الرصيف؛ خوفًا من الموت تحتَ عجلاتها.

انتفضَ واقفًا والرعب يحتشد في ملامحه، جمْعٌ من الناس تجمْهَرَ ليرى أثرَ الصدمة التي تلقَّاها في رأْسه حين اصطدمَ بحافَّة الرصيف، كان الدمُ يسيلُ من رأْسِه على خَدَّيه ورقبته، دمٌ طازجٌ مُوَرّد لا سوادَ فيه، تتصاعد منه سخونة خاصَّة يبدو أنها قادمة من المسامات المخفيَّة تحتَ الجلد.

الناسُ تهتفُ وتتهامس، بعضُهم أخرجَ مِنْديله من جَيبه، والبعضُ الآخرُ كانَ يأتي بالمياه من المحلات المجاورة، وبعضهم كان يبحثُ عن مُطَهِّرٍ وضمادة، فالجُرْحُ عميق غائرٌ، والدماءُ تتدفَّق بسرعة، والضغطُ الشديد على الجرح يزيد من قوة اندفاع الدمِ فورَ رفْعِ اليد عن الجُرْح، وهو لا يزال يقف واجمًا ينظر نحو الأسْفل دون أن يبدي أيَّ اهتمامٍ للدم النازفِ أو الجمع المحتَشِد لمساعدته.

سأله أحدُهم وهو يضغطُ على الجُرْح بقوة: هل تشعرُ بالألمِ؟ لكنَّه ظلَّ صامتًا مُحدقًا بالأسفل، كانت الهواجس تتلاعب في رأْسِه ونفسِه بقوة: لماذا هَرِبْتُ من عجلات السيارة؟ المشكلة الكبيرة أنني كنتُ قبلَ لحظات أطلبُ الموت، لكن رباط الحذاء حال دوني ودون تحقيق رغْبَتِي، الآن وحين هربتُ من السيارة المحمومة، دفعني رباط الحذاء نحو حافَّة الرصيف، دفعني بقوة وكأنَّه يريدُ تحطيمَ رأْسِي على حافَّته الصُّلْبة، الناس تتجمهَرُ تمسحُ دِمائي، لكنَّ أيًّا منهم لم يفكرْ ولو للحظة في مشكلة رباط حذائي، وحتى رباط الحذاء يبدو أنَّه يستطيع أن يقرِّرَ طريقة مَوْتَي وأَلَمِي، كلُّ الأشياء والأحْداث تسيرُ بطريقة مُعَقَّدة متباينة، وكلُّ الأمور تتَّجه بعْكس انفعالاتي وتقلُّبَات نفْسي.

الدم والجُرْح الغائر بالرأْس شكَّلا حدثًا جمعَ الناس حولي من كلِّ الجهات، الكلُّ يعملُ بسرعة واضطراب؛ الماء والمطهِّر، الأصوات والأيدي، المشاهد والمتفرِّج، والدم المتجلِّط، كلّ هذه الأمور شكَّلت حلقةً واسعةً من الناس والأفْراد الذين أعرفُهم ولا أعرفهم من أجْلِ إبْقائي على قَيْد الحياة، هل يتفقُ هذا مع إرادتي؟ هل يتفق هذا مع إرادة رباط الحِذاء؟ وبسرعة أنزلَ نظرَه مرة أخرى نحو حذائِه، كان الرباط وقد تناثرتْ عليه بعضٌ من الدماء التي زادتْ من كآبة النفسِ وعُمْق الحزْنِ.

سارَ ورأْسُه ملفوف بشاش أبيض، مباعدًا بين قَدَمَيْه، لا يعرفُ ماذا عليه أن يفعلَ، وفي زاوية خالية من الناس جلسَ على نُتُوء إسمنتي، رفعَ قَدَمه فوقَ فخذِه، وأحنى ظهرَه قليلاً، تفقَّد الشارع المقابل، تفقَّد الأزِقَّة التي تُفْضي إلى مكان جلوسه، تفحَّصَ النوافذَ