قيام الليل الصفحة 1 من 6

بواسطة: محمد فقهاء

قيام الليل هو دقائق الليل الغالية، وسَمِّه - إن شئتَ- : مدرسة المُخلصين، كيف لا وهو جنَّة الله في أرضه للمؤمنين؟ الليل هو بداية الدعوات: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 2]، ومنه يَستمد الدُّعاة وقودَ دعوتهم. في الليل تُسْكَب العَبَرات، وفي الليل يُتَقَرَّب إلى الله بأحسن الطاعات، الليل للمُذنبين وللذين هم لِما عند ربِّهم طامعين، فهو أنيسُ الطائعين، وأمَلُ المُذنبين، وبالليل يتمُّ لقاء المُحبِّين، الليل يَعشقه الراكعون والساجدون والذاكرون، والذين هم لربِّهم مُستغفرون، الليل فيه آيات للذين هم يَسمعون، الليل للذين هم بالخيرات مُسارعون، وهو خلوة التائبين، في الليل أقربُ ما يكون الله من عباده المؤمنين، بهذا نطَقَ سيِّد المُرسلين، وفي الليل يَغفر الله للمُسيئين، ويُعطي المحتاجين والسائلين من خزائن السموَات والأرَضين، ويُجيب المُضطرين، الليل فقط يَعرفه المُتيقِّظون، ويَغفل عنه أصحاب المُجون اللاهون، ولا يَستطيعه إلاَّ عباد الله المُخلصون، هو كَنز المُدَّخرين إلى يوم الدين، وبالليل يُحصَّل الآمانُ للخائفين، في الليل تَجري العيون، ويَتسابق فيه المُتسابقون؛ ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]. هو للذين عن النار يَبتعدون، وللجنان يتقرَّبون، قيام الليل فَقِهه سلفُنا الأوَّلون، فأين الذين هم من بعدهم للسِّباق يهرعون، وعن الدنيا وزينتها يَبتعدون، ومن الفتن لا يَقتربون، أصحاب الليل جُنوبُهم عن المَضاجع تَجافَت، وقلوبهم عن مطامع الدنيا تناءَت، وهِمَمهم عن سفاسف الأمور ارْتَفَعت، تَراهم باكين مُخبتين. هذا هو الليل، أمَّا عن أصحاب هذا الليل وصفاتهم وأحوالهم، فهي كما قال تعالى في سورة الذاريات، وغيرها من السور والآيات، مُبَيِّنًا سببَ دخولهم الجنات، فقال - عزَّ شأنه -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 16 - 18]. فنالُوا بذلك جنات وعيونًا، وما كلُّ هذا إلاَّ لأنهم باتُوا لربِّهم سُجَّدًا يتضرَّعون، فالليل هو من سمات الصالحين؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقُربة إلى ربِّكم، ومكفرة للسيِّئات، ومَنهاةٌ عن الإثم))؛ أخرَجه الحاكم وصححه، ووافَقه الذهبي. لَوَ انَّكَ أَبْصَرْتَ أَهْلَ الْهَوَى إِذَا غَارَتِ الأَنْجُمُ الطُّلَّعُ فَهَذَا يَنُوحُ عَلَى ذَنْبِهِ وَهَذَا يُصَلِّي وَذَا يَرْكَعُ أصحاب الليل وصَفهم الله بأحسن الأوصاف والسِّمات؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 15 - 17]. ووصَفهم في سورة الفرقان، فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: 64 - 66]. فِتْيَةٌ يُعْرَفُ التَّخَشُّعُ فِيهِمْ كُلُّهُمْ أَحْكَمَ الْقُرَانَ غُلامَا قَدْ بَرَى جِلْدَهُ التَّهَجُّدُ حَتَّى عَادَ جِلْدًا مُصَفَّرًا وَعِظَامَا تَتَجَافَى عَنِ الفِرَاشِ مِنَ الخوف فِ إِذَا الْجَاهِلُونَ بَاتُوا نِيَامَا بِأَنِينٍ وَعَبْرَةٍ وَنَحِيبٍ وَيَظَلُّونَ بِالنَّهَارِ صِيَامَا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَيَبِيتُونَ سُجَّدًا وَقِيَامَا قال تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران: 113].