قصص قصيرة الصفحة 13 من 21

بواسطة: عبد الباقي يوسف

رجــــال ونســـــــاء منذ شهر يلح مُكري ، صاحب محل لبيع الخضار بالجملة على صديق طفولته زهران ، الموظف في مديرية التموين ليلبي دعوته العائلية على العشاء0 حدث هذا عندما راح زهران إلى سوق الخضار لشراء كيس من البصل اليابس بعد أن كررت زوجته سوسنة ، الموظفة في مكتب الكاتب بالعدل مطلبها المنزلي هذا عليه خمس مرات خلال خمسة أيام متتالية 0 وفي كل مرة يعود بعد انتهاء الدوام إلى البيت منهكا وقد نسي أمر البصل ، وعندما تنفعل سوسنة وتمتنع من تقديم الغذاء له يقول لها : المشكلة أنك لاتذهبين عن بالي لحظة واحدة ليحل البصل المسكين في بالي 0 فتبتسم وتدعوه إلى الغذاء قائلة : ماعاش البصل اللي يزيح سوسنة عن بالك ليحل مكانها 0 لكنها بعد الغذاء وفي أثناء تناول الشاي تعود فتذكّره بكيس البصل قائلة : يارجل ، منذ شهر وأنا أشتهي الشامبورك ولكن لاتوجد بصلة واحدة في البيت ، هل هناك بيت في العالم يبقى بدون بصل لشهر كامل 0 في الليل لبثت سوسنة مستيقظة تبحث عن فكرة تجعله يتذكر البصل وبنفس الوقت تبقى هي في باله وقد وصلت إلى الفكرة عند الساعة الثالثة والنصف صباحا ، وحتى لاتنساها قامت من فراشها ودونتها على قصاصة صغيرة وعادت إلى الفراش غارقة في النوم لم تستيقظ إلا على أصوات أولادها وهم ييقظونها لتذهب إلى وظيفتها ويهمون بالخروج إلى مدارسهم 0 نظرت إلى الساعة وكانت قد تجاوزت السابعة والنصف بقليل 0 سألت عن أبيهم فقالوا بأنه خرج إلى وظيفته ، وللتو تذكرت أنها سهرت إلى وقت متأخر وتذكرت الفكرة التي دونتها على القصاصة من أجل كيس البصل 0 خرج الأولاد ونهضت مسرعة ، تمتمت لنفسها بأنها ستفطر في المكتب الفطائر الساخنة مع الشاي ، سترسل المستخدم عَمْري إلى المخبز وعندما يعود تعطيه فطيرتين قائلة له : خذ يا عمري فيقول : شكرا يامدام ، متناولا الفطيرتين من يدها ويذهب ليحضر لها إبريق الشاي 0 خرجت سوسنة إلى الشارع وهي تعرف بأنها تأخرت عن موعد وصول الباص الذي يأخذ الموظفات إلى قصر العدل 0 أشارت لسيارة تكسي وطلبت أن يأخذها إلى مديرية التموين بدلا عن قصر العدل ، فهي مصرة أن يجلب زهران البصل وقد حملت الفكرة التي توصلت إ ليها في حقيبتها 0 دخلت عليه في مكتبه ولم يكن غيره في المكتب فقال : ما أتى بك ياسوسنة 00 خير !! مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت لصقة جروح كتبت عليها / بصل / وسحبت إبهامه الأيسر ، لم تفسح له مجالا غير أن يستجيب وهي تلصق اللصقة على إبهامه وتهم بالخروج لأنها تأخرت عن وظيفتها 0 عندذاك قال : اللصقة تكفي لأتذكر ، سوف أشطب كلمة / بصل / 0 قالت : لا ، حتى لايكون هناك وقت تتذكر ولو لحظة واحدة عن سبب وضع هذه اللصقة ، عندما تنظر ستقرأ ولاتحتاج إلى تفكير 0 فقال : يالك من امرأة ذكية يازوجتي . عند الساعة الثانية خرج زهران من الدائرة واضعا يده في جيبه حتى لايرى أحد كلمة / بصل / المكتوبة على اللصقة واتجه على الفور إلى محل لبيع البصل بالجملة ، وعندما توقف أمام المحل وأدرك بأنه لن ينسى أن يشتري البصل خلع اللصقة ، جعلها مثل حبة عدس وقذفها 0 نظر إلى أكياس البصل المتراكمة على بعضها نظرة سريعة وقد أعجبه شكلها ، ألقى نظرة إلى صاحب المحل الذي يقف أمام / قبّان / حديدي ضخم يزن بعض الأكياس لأشخاص يقفون جواره وقد وضع خلف أذنه قلم رصاص 0 وكالوميض تذكر بأنه لابد يعرف هذا الرجل ، هذه الملامح قريبة إليه ، وحتى الصوت مازال محافظا على بعض نبراته 0 لكنه تجاهل ذلك ومد يده يتلمس حبات البصل الحمراء الصغيرة في إحدى الأكياس / لمسة شراء / كما يقول البائعون وليس لمسة تضييع وقت 0 وعندذاك دنا إليه صاحب المحل وقد فرغ من الرجلين قائلا وهو يمعن النظر إليه : عفوا أستاذ ، هل لي أن أعرف اسمك بلا صغرة 0 بادله زهران النظر وعاد يتذكر بأنه لابد يعرف هذا الشخص وأجاب : نعم ، ولكن لِمَ تسأل ؟ قال الرجل : لأن هذه الملامح تذكرني باسم يعود إلى ثلاثين سنة ماضية 0 فتأكد زهران بأنه كان يعرف هذا الشخص حقا ، بيد أنه قد نسي التفاصيل ، وأصبحت لديه رغبة في أن يتذكر ذاك الماضي الذي قد نسيه ، أو يذكّره به هذا الشخص وقبل أن يحدث ذلك أشرق ذاك الماضي في ذاكرته في لحظة وهو ينظر في الشخص ، ثم مالبث أن صافحه قائلا : هو أنا ياصديقي ، ألست مُكري الذي كان يأتي إلى بيت خاله شهاب الدين في حارتنا منذ ثلاثين سنة ؟! ومن جديد تباوسا ودعاه مُـكري للجلوس في المحل محتفيا به إلى درجة أنه أشار لزبون أن يذهب إلى المحل المجاور لشراء البصل لأنه مشغول 0 رفع سماعة الهاتف وطلب ركوة قهوة ، ثم قال : القهوة وحدها لاتكفي 00 ستأتي معي إلى الغذاء 0 قال زهران وهو يشكره معتذرا لأن الأولاد ينتظرونه ولن يتناولوا شيئا قبل أن يكون معهم على مائدة الغذاء 0 عندها قال مكري : ماشاء الله ياصديقي 00 وكم ولد لديك ؟ أجاب زهران : ثلاثة أولاد 0 قال مكري : رغم هذا فإنني لن أتركك قبل أن تعدني بأنك ستقبل دعوتي لك وللمدام على العشاء في أقرب وقت قال زهران : أعدك ياصديقي بأننا سنلبي هذه الدعوة قال مكري : لكن لم تقل لي أين أصبحت الآن ، ماهو عملك ؟ قال : موظف في مديرية التموين عندها قال مكري : أنا تزوجت متأخرا 00 لا أولاد لدي لكن زوجتي حامل في الشهر السادس ، ودوما أقول لنفسي : ليتني بقيت عازبا 0 قال زهران بدهشة : لِم تقول ذلك ياصديقي 00 ألست سعيدا في زواجك ؟ - سعيد ،، وأطلق ضحكة ساخرة ،، سعيد ، وهل يوجد على وجه الأرض رجل سعيد مع امرأة 0 - ضحك زهران محاولا أن يخفف عن صديقه قائلا بشيء من السخرية : اسمح لي أن أدافع عن المرأة ياصديقي وأقول : هل توجد امرأة على وجه الأرض سعيدة مع رجل 0 التفت إليه مُـكري هازا رأسه علامة بالاستغراب : وما تقصد يازهران ؟ قال بسرعة : أقصد ، هل الإنسان سعيد ومنسجم كل الانسجام مع نفسه حتى يكون سعيدا ومنسجما مع غيره 0 من قال لك ياصديقي بأن الحياة لاتستمر بين الزوجين إلا إذا كانا سعيدين ومنسجمين 00 حتى اللحظة الأخيرة يبقى الزوجان يتعرفان على طباع وخصال جديدة في بعضهما ، أتعرف لماذا ؟ قال زهران وهويصغي إلى صديقه : لماذا ؟ قال : لأنه حتى اللحظة الأخيرة يبقى الإنسان يكتشف في نفسه طباعا وخصالا جديدة لم يكن يعرفها في نفسه من قبل 0 قال مُكري : المشكلة أن زوجتي تتدخل في كل شيء وتفسده علي ، تتدخل حتى في حلاقة ذقني ، تصور أنها تقول : أنت ذاهب إلى سوق الخضار يامـُكري، أم أنك تحلقه لأكياس البصل 0 وعندما أطلب منها أن تلمع حذائي ، تقول : هل أنت مدير دائرة ، يارجل أنت ذاهب إلى سوق الخضار المليء بالوحول 0 حتى أنها فرضت علي أن أتوقف عن صبغة شعري ، تقول : كنت تصبغ شعرك لتبدو فتيا حتى تتزوج ، الآن وقد أكرمك الله بزوجة مثلي ، لِمَ تصبغ شعرك ، هذا بدل أن تفكر بالبيت وبمستقبل الأولاد الذين سيأتون 0 إذا كان شعرك أبيضا أو أسودا ما الذي سيتغير بك 0 أقسم لك ياصديقي لوأنها رأت وسيلة صغيرة لرفعت الهاتف من المحل ، ولاأخفيك بأنني أفكر أن أرفعه لأنه أصبح مصدر إزعاج لي ، بين ساعة وأخرى تجري اتصالا لتتأكد بأنني في المحل ، وإن كان الهاتف مشغولا لبضع دقائق في تلك الليلة نتشاجر حتى تطلع الشمس 0 ألم أقل لك بأن أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو أنني تزوجت 0 قال زهران : لست أنت الوحيد ياصديقي ، كلنا سواء ، لقد مضى الوقت وأعدك بأننا عندما نأتي لدعوتك سوف نتحدث في هذا الأمر 0 أدرك مكري بأنه يود الذهاب فنهض وأومأ لبيكاب أجرة كان يقف بالقرب من المحل وطلب من السائق أن يحمل كيسا من البصل ويضعه في صندوق البيكاب 0 وعندما فعل همس للسائق ألا يأخذ من الأستاذ الأجرة وعندما يعود سوف يعطيه 0 والتفت إلى صديقه قائلا : ولله لو لا انتظار الأولاد لك لما تركتك في هذا الوقت قبل أن نتغذى معا 0 ودعاه ليركب السيارة 0 فمد زهران يده إلى جيبه ، بيد أن صديقه سارع في دفع يده ومنعها من الخروج من الجيب وهو يقول : يارجل منذ ثلاثين سنة لم نلتق وتريد أن تدفع قيمة كيس بصل ، ياعيب الشوم 0 لكن زهران بدا أكثر إصرارا على الدفع قائلا بحسم : والله يا مُكري إن لم تأخذ لن أركب السيارة 0 عندها فقط مد مكري يده وهو يسحب ورقة نقدية من فئة صغيرة لاتساوي إلا أقل من نصف قيمة كيس البصل وأقسم بأنه لن يأخذ غيرها 0 فشكره زهران ومرة أخرى تباوسا على أمل اليوم الموعود 0 بعد عشرة أيام اتصل مكري بصديقه مذكرا إياه بالدعوة فقال زهران بأن أشغاله المتراكمة لم تسمح له خلال الأيام الماضية ، ولكن لابد أنه سوف يرى أمسية قريبة سيطرق فيها بابه 0 ومضى أسبوعان فعاد مكري واتصل به هذه المرة في الدائرة مذكرا إياه بالعزيمة وعندها اتفقا على هذا الموعد المناسب 0 كانت الساعة قد تجاوزت السابعة مساء عندما خرج زهران وزوجته سوسنة من البيت واتجها إلى بيت مُكري الذي كان على أهبة الاستعداد مع زوجته لاستقبالهما 0 اتجها إلى سوق المدينة واختارا هدية لهذه المناسبة وكانت عبارة عن مزهرية ولوحة 0 عند السابعة والنصف كانا يطرقان باب مكري الذي استقبلهما بحفاوة مع زوجته سُهدية وقد تباوست الزوجتان وكأنهما على علاقة متينة مع بعضهما البعض 0 تحلقوا جميعا حول مائدة العشاء العامرة بالطعام والشراب وبعد ذلك قالت سهدية بأنها تريد أن تري صديقتها ألبوم الصور ، وكانت فرصة ليختلي زهران بصديقه ويكمل له حديثهما السابق في المحل 0 عندئذ قال مكري : كنت أريد أن أقول لك وقد نسيت : هل زوجتك أيضا تتدخل وتفسد عليك حياتك ؟ قال زهران : يا أخي إنهن من نفس الطينة ، لكن لي فلسفتي الخاصة التي تجعلني أتجنب معها الانفعال ، أو لأقل أتجنب معها تبادل الحديث العميق 0 وأقول لنفسي : لتقل ماتقل يازهران 00 عقلهن صغير 0 قال مكري : ما الذي تقوله يا زهران قال : كما تسمع يا مكري ، إن أردت أن تكون هادئا في بيتك لاتناقشها ودع لها الحبل على الغارب في الحديث ، لتقل ماتشاء وسترى بأن كل شيء سينتهي على خير 0 هناك أشياء ياصديقي تستمد اكتمالها من مقدار الاعوجاج الذي بها وتكون ناقصة كلما نقص الاعوجاج 00 اصغ إلي جيدا ، أما عندما تأتي وتريد أن تعدل ذاك الاعوجاج فيها ستخرجها عن كمالها وسوف تراها تتحطم بين يديك أو كما يقول المثل بأنه أعماها وقد جاء ليكحلها 0 ألا يأخذ الهلال كماله من مقدار ما به من اعوجاج ، إنه يبدو مكتملا وجميلا وهو مقوس أكثر مما لو كان مستقيما ، وإذا أردت أن تجعله مستقيما ألا تخرجه عن جماليته وخصوصيته الهلالية 0 ومد يده إلى أذن صديقه مداعبا إياه : تذكر دوما ما أسداه لك صديقك زهران من نصح وسوف ينتهي كل شجار على خير 0 عادت الزوجتان تحملان طبقا من الفاكهة فاجتمعوا مرة أخرى على سفرة الفاكهة فقالت سهدية لزوجها : ليتك تتعلم يامكري من زهران ، منذ ساعة وسوسنة تمدح لي بعقله الكبير ، تقول لي : إن مايميز زوجي من بين كل رجال العالم هو عقله الكبير ، ودوما أقول لنفسي : كم أنت محظوظة ياسوسنة بعقل زوجك الكبير 0 أما أنت يا مكري كأنك تنتظر مني كلمة لتستفزني وتفسد علي يومي 0 قال مكري وقد انتفض واقفا على قدميه : أنا أفسد عليك أيامك أم أنت التي أفسدت علي كل حياتي 0 وقالت سهدية متجهة بكلامها للضيفين : هذا الرجل الذي يقف أمامكما يسبب لي آلاما لم أعد أحتملها ، إنه يخطئ ويريد أن أبارك له هذا الخطأ ، أحينا يتصرف كما لو أنه طفل صغير فأقول لنفسي : هل تزوجت طفلا أم تزوجت رجلا متزنا 0 فقال مكري وقد تصاعد الانفعال إلى سحنته وصوته معا : أنا طفل ياناقصة العقل نهضت الزوجة واقفة على قدميها وقالت بانفعال : ماشاء الله 00 إنها عبارة جديدة ناقصة العقل : ومن علمك إياها 00 أنا ناقصة عقل 0 عندها تدخل زهران مهدئا صديقه : يامكري تذكّـر 00 صوبت سهدية نظرة إليه قائلة : وأي شيء يتذكر استدرك زهران نفسه وقال : يتذكر بأننا في ضيافتكما 0 وعاد ملتفتا إلى صديقه قائلا له : مشكلتك يامكري أنك لاتتذكر 0 وأردفت سهدية : أجل إنه الرجل الحق الذي تهنأ به زوجته ، والتفتت إلى سوسنة قائلة لها : هنيئا لك يا أختي بهذا الرجل الذي دوما يتذكر ولاينسى 0 قال مكري : لقد أفسدت علي حتى جلوسي مع ضيفَي قالت : مادمت مصرا على عنادك ، يكفي ، أجل يكفي لن نعيش معا بعد الآن ، طلقني في هذه اللحظة ، أنا لست زوجتك وأنت لست زوجي لتكن كلبا إن لم تطلقني في هذه اللحظة 0 فقال مكري بانفعال : أجل لأكن طفلا إن لم أطلقك في هذه اللحظة يا سهدية ، أنت طالق ، لست زوجتي ولست زوجك بعد هذه اللحظة 0 عندها خرجت سهدية من البيت متجهة إلى بيت أهلها فنظر زهران إلى صديقه وقال : هذه هي مشكلتك الوحيدة ياصديقي ، أنك تنسى أن تتذكر 0 ثم أمسك بيد زوجته وخرجا ، فقالت له زوجته وهي تتأبط ذراعه : هنيئا لي بعقلك الكبير يازوجي ، إني لأرجو أن يحفظ لك الله عقلك الكبير هذا 0 بعد ثلاثة أسابيع اتصل مكري بصديقه وقال بأنه سيزوره في البيت مساء لأمر غاية في الأهمية ، حضر إليه مساء وهو في حال يرثى لها ، رفض أن يتناول أي شيء وهو يقول : لم أكن أعلم بأنها ستترك كل هذا الفراغ في البيت ، سوف تقتلني الوحدة ياصديقي ، أرجوك أن تأتي معي إلى مفتي لعله يرى لي فتوى تعيد زوجتي إلي لأنني لم أكن في تمام قواي العقلية حينذاك 00 أجل لقد كنت ناقص عقل .