قصائد الرفض والمقاومة الصفحة 5 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

بالانفعالات النفسية البارزة. فتاتي القصيدة لتهز القارىء وتجعله يعيش تلك
الانفعالات، فيحترق لصداها ووقعها. وهذا اظهر ما يكون في قصيدته ’ في حالة
غضب ‘.

هل غير سبيل من دم دافق=يروي غليل الساخط الحانق
أم غير لألأ الظبا والقنا=يزيل من قلبي دجا الغاسق
كرهت ذا العالم- هل مأبق=في عالم أخر للآبق

كلمات نارية، تحمل صورة انفعال نفسي قد وصل الذروة، فضاق به الشاعر ولم يستطع
تحمله، فنفثه على الورق كلمات سخط متفاعلة كي تصل إلى صدر القارىء، وتجعله
يعيش حالة الغليان، فيتمنى لو كان قائلا تلك القصيدة. ولكن، هل هذا كل الذي
يقال...لا

ضاقت بي الدنيا واني بها= أضيق، يا لي من فتى ضائق
روحي عبء مثقل عاتقي= أيان القي العبء عن عاتقي!؟

إنها حالة الاستهتار بالحياة، رغم فتنتها وجاذبيتها، وهي حالة استنكار هذا
العالم والإحساس بالغربة عنه رغم وجوده فيه. هي اللحظة التي يكون الموت فيها
لدى الشاعر خيرا من حياة لا معنى لها ولا قيمة. لأنه يرأف بروحه أن تعيش وسط
عالم الزيف والدجل الذي لا تطيقه طبيعتها الأدبية، انه التمرد، تلك الصفة
الواضحة في كل لمسة من لمسات عبد الرحيم الشعرية على الأوضاع المقلوبة
والشعارات الزائفة والمظاهر الهابطة، والأوضاع التي يكون الشريف فيها ضائعا
بين ركام الأصنام المتحركة، تلك الأصنام التي تسرق خبز الجائع، وتصل بكذبها
وخداعها إلى كل ما تشتهي، فتنشر الظلم باسم العدل، وتهدم قيم الأخلاق، وتقوض
أركان الحقيقة، وتنبش مكامن الأمانة، وتحرق جوامع الصدق، فغدا العالم عالمها،
تعيش فيه وفق أهوائها ونوازعها.

في مثل هذه الحالة الاجتماعية، كيف يمكن للصادق أن يعيش؟! وان عاش، فهل غير
عيشة القهر والكمد، إنها معيشة الموت خير منها، لأنها عيشة...

يحظى به الكذاب بالمشتهى=والتعس للمخلص الصادق
الخير والخبز غدا حكرة=لبعضهم، والويل للسارق
هم أوجدوا السارق من حاجة=وقيل هذي قسمة الخالق
يا منطقا لم يرو عن عاقل!=العي خير منه للناطق
قد محق العدل، فلا عادل!= أما لأهل الأرض من ماحق
متى أرى الحق وأصحابه=يعلون من أدنى إلى شاهق
وأبصر الشر وأربابه=يهوون من أعلى إلى ساحق

انه التساؤل الطبيعي من شخص ملك الصدق فيه كل جارحة، صدقه في كفاحه للعدو،
صدقه لصورة الحمال النفسية، صدقه في غزله، صدقه في حبه لإعلاء الحق وإسقاط
الباطل.

وان كان عبد الرحيم محمود قد تألق في كل قصائد الديوان، فان له قصيدتين هما
ذروة تألقه، قصيدة ’ الشهيد ’ وقصيدة ’ دعوة الى الجهاد ’ وهما في نظري
اجل ما كتب الشاعر، حتى انك لا تبدأ بالبيت الأول من قصيدة الشهيد، لتجد
السامع- أي سامع كان- يفاجئك بحفظ بقية الأبيات عن ظهر قلب، حفظا غير مقصود،
وإنما هو حاصل بالفطرة. وهذا أسمى دليل على قرب قلب وفكر الشاعر من قلب وفكر
شعبه الذي لا يزال يقدره من خلال هذه اللمحة الفطرية. ويكفي الشاعر فخرا ومجدا
أن يكون معروفا بالفطرة، لا بالقراءة المستمرة من اجل حفظ بيت يميل الناس
إليه.

سأحمل روحي على راحتي=والقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق=وإما ممات يغيظ العدى

انه تقرير توكيدي، وأي تقرير؟! تحسه من جوانح الكلمات صادقا كل الصدق، بعيدا
عن التفاخر الكاذب، والتشدق المبتذل، ومع انه تقرير خطير يحمل معنى الفداء
والتضحية، إلا انه جاء بسيطا أمام الحقيقة الكبيرة...( فإما حياة تسر الصديق )
حياة تضمن لإخوته من شعبه الحق في عيش كريم حر، الحياة التي يكون فيها سيد
نفسه، كي يتسنى له ان يكون إنسانا. إنسان له حق حياة الإنسان، ( وإما ممات
يغيظ العدى ) فلا قيمة للحياة أمام هذا المعنى السامي النبيل. لان الموت حينئذ
لن يكون موتا طبيعيا، إنما هو الموت الذي يرهب صمته قلوب الأعداء، ويجعل تلك
القلوب تتلظى على نار الرهبة من مثل هذا الاستهانة بالحياة، ولكن ليس هذا كل
ما في الأمر... لا...

ونفس الشريف لها غايتان=ورود المنايا ونيل المنى

وهذا البيت تلخيص كامل لفلسفة الجهاد منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، والى
ابد الآبدين، فلم يترك الشاعر مجالا لزائد يستطيع أن يزيد على هذا البيت معنى
جديدا لمعنى الجهاد. لأنه حدد في بيته تفصيلا شاملا من- النفس الشريفة- فقط-
غايتها الموت-أو الحياة الحرة- لا أكثر ولا اقل، ودون أي مهاترات للاصطلاحات
السائدة حول مفهوم الجهاد، وما العيش...

وما العيش؟ لا عشت إن لم أكن=مخوف الجناب حرام الحمى

وان لم أكن كذلك، فكيف؟

إذا قلت أصغى لي العالمون=ودوى مقالي بين الورى

وهل القول يكفي؟ وماذا إذن لو واجه الشاعر الموت؟ أيفر هاربا؟

لعمرك إني أرى مصرعي=ولكن أغذ إليه الخطى

لان الموت لن يكون عبثا، بل هو غاية الغايات...

أرى مقتلي دون حقي السليب=ودون بلادي هو المبتغى

ولان الموت تضحية في سبيل الحق...

يلذ لأذني سماع الصليل=ويبهج نفسي مسيل الدما
وجسم تجندل فوق الهضاب=تناوشه جارحات الفلا
فمنه نصيب لطير السماء=ومنه نصيب لأسد الثرى

ولان الدم السائل هو دم الحق وروحه...

كسا دمه الأرض بالأرجوان=وأثقل بالعطر ريح الصبا
وعفر منه بهي الجبين=ولكن عفارا يزيد البها
وبان على شفتيه ابتسام=معانيه هزء بهذي الدنا
ونام ليحلم حلم الخلود=ويهنأ فيه بأحلى الرؤى