قصائد الرفض والمقاومة الصفحة 4 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

لذلك لا داعي لتكليف العين مشقة النظر إليك، ولو على سبيل الاستغراب والتمتع. مع انك
تفوق معظم الناس شرفا ورفعة. لان الخبز الذي تأكله معجون بعرقك الزاكي الشاهد على عفتك
وصفاء يدك....

رغيفك الطاهر غمسته من=عرق زاك ودمع صبيب
ما كنت سلابا أخا غصبة=بل كنت ذا حق سليب غصيب

ولأنك لم تكن صاحب جاه أو سلطان، ولم تملك حولا ولا قوة....
فرحت، لم يسكب عليك امرؤ=دمعا ولا قلب رقيق يلوب
ولم يودعك حبيب، وقد=يهون الصعب وداع الحبيب

إن الأبيات السابقة قد قررت حالة اجتماعية شاذة بأسلوب يملك شغاف القلوب، حتى
انه يمسك بالمشاعر الإنسانية بقوة وعزم، وينزعها من مكمنها ليفليها باحثا عن
معنى الإنسانية أمام هذا الحدث الذي هز الشاعر فأخرجه عن طوره، وجعله يشعر
بتفاهة الحياة أمام هذا الموت الرهيب، أمام ثورة الإنسان على نفسه في صورة
غيره...

إن قوافي- على قحطها-= تلقى بمرآك المجال الخصيب
برودك الهادىء قد هاجها=فجررت غضبي ذيول اللهيب
يا موقظ النقمة في أضلعي=بشعت في عيني الجمال العجيب

انه الصدق الإنساني لدى الشاعر، هو الذي أعطى الكلمات رنتها، وذوب الفؤاد. حتى
أن القارىء يستشعر القشعريرة تسري في جسده، فينتفض، إلا أن الحزن يظل ساكنا
فيه لا يذهب، وكيف يمكن أن يذهب أمام كلمات تذوب أسى ولوعة، وتقطر دمعا ساخنا
يصلي الأرض حين يلمسها فيرتجف التراب معلنا حزنه وسخطه في آن، على من تكون منه
ونسي أصله، فتعالى عنه في صورة الحمال.

إن هذه القصيدة تثبت البعد الواعي لنظرة عبد الرحيم محمود الإنسان، النظرة
التي لا يمتلكها بمثل هذه الشفافية والحساسية الشديدة إلا من كان شاعرا بحسه
وطبعه، قبل ان يكون شاعرا بلغته ومفرداته. والتصوير في هذه القصيدة ينم عن
قدرة فائقة على امتلاك الشاعر عنان اللغة، وتطويعها لأغراضه الشعرية وفق
إرادته، وبسهولة متناهية، وعفوية ملازمة للشاعر كما قلنا، تلك العفوية التي
تنقلك إلى روح الشاعر الناطقة بالمعاني والإيحاءات النفسية وليس بالمفردات
والحروف.

وحين يكتب الشاعر الغزل، لا تجده مرتميا تحت أقدام محبوبته يستجديها كالشعراء
المخنثين، بل تجده يطبع قصائده الغزلية بطابع شخصيته آلت تأنف أي خضوع، لأي
كائن كان، فهو ثائر في وطنه، ثائر على أحوال الإنسان الاجتماعية في وطنه، ثائر
على الذل، ثائر على كل ما يمس بالرجولة والكرامة. وها هي قصيدته ’ كبرياء
الحب ’ توضح لنا شخصيته أمام الإغراء الأنثوي الذي يتساقط عنده اغلب
الشعراء...

اسمعي يا من لقد خنت الهوى=ونسيت أو تناسيت الودادا
إن قلبا بالجوى أحرقته=سوف اذريه بعينيك رمادا
وخضوعا كان بي فيما مضى=سيصير الآن كبرا وعنادا
وإذا حن فؤادي للقا= فسأجتث من الصدر الفؤدا
واهجريني وابعدي عني فلا= ارهب الهجر ولا أخشى البعادا
وتناسي كيف شدنا عشنا=قد هدمنا ما بنى الحب وشادا
وسأنساك ولا اترك في=ذكرياتي لك ذكرا مستعادا

وتطالعك نفس النبرة الصارمة في قصيدة أخرى له بعنوان ’ روحي ’ حيث يقول...

دمعي الذي أذللت كفكفته= أواه كم أذللت لي من دموع
وجرح هذا القلب لملمته=واطفىء المحرق بين الضلوع
وعقلي الهائم أرجعته=ولم أكن آمل منه الرجوع

روحي

نزعت من قلبي نبات الهوى=وتحت أقدامي لقد دسته
وخفت من قلبي ظلال الهوى=ورجعة الماضي فحطمته
ان عاد قلبي للذي مضى= أتيت بالنار وأشعلته

هذا هو عبد الرحيم محمود، لا يعرف الهوان، ولا يرضى بأي صورة من الصور كان،
لأنه طبع على الشجاعة والإقدام، وعلى أن يكون سيد نفسه، لا مسودا ولو لأهوائه.
وهذا مثال الرجولة والكمال، الذي يصلح لان يقول كلاما ليس لمجرد الكلام، وإنما
كل كلمة مقرونة بألوان طباعه التي تحضه على العمل في سبيل الصدق مع النفس،
ليحظى بتقدير نفسه لنفسه.