قصائد الرفض والمقاومة الصفحة 3 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وعبد الرحيم محمود صاحب الكلمات النارية تلك، يعرف كيف يستخدم الكلمة الملتهبة
في حينها، وكيف يستخدم الكلمة العذبة الرقراقة في موضع آخر. فها هو في قصيدته
’ العيد ’ ينتقل بنا إلى كلمة عذبة خفيفة، لتعبر عن معنى عميق بعيد الغور...

إذا رق إحساسنا في الوجود=وفاضت أحاسيسنا الشاعرة

انسياب عذب لكلمات تكاد من خفتها أن تطير لتلامس وجه السماء وتنثر على الأرض شذى عبير
كوني يضيء أنفسنا بأضواء النجوم. صورة نقية تلمس بالأصابع الخمسة، فتنتعش اليد احساسات
فياضة تنتقل إلى الروح، فتحولها إلى دوري يقفز فوق رواب من سعادة واستبشار...
إذا ما صهرنا قيود العبيد=بنار من القوة القاهرة

وأي دعوة للحرية أفضل صياغة من هذه الدعوة، وأي توضيح لثمن الحرية أفضل من هذا
التوضيح...

إذا ما نعمنا بلقيا المنى=وقرت رغائبنا الحائرة
إذا كان هذا فثمة عيد=وتلك مظاهره الساحرة
وثمة يحسن وجه الحياة=فتصبح فتانة ناضرة
وتجمل دنيا زهدنا بها=وإلا...فموعدنا الآخرة

تسلسل منظم، يبدأ برقة الإحساس، وفيض المشاعر، ويمر بصهر قيود الأسر ولقاء الأماني،
ويتوقف قليلا عند حيرة الروح، ثم يأتي القرار بعد كل المراحل، بان الحرية وملك الذات هي
العيد، وليس هناك عيد آخر دون الحرية. فان تم هذا فوجه الحياة مشرق جميل يسرنا إشراقه
وفتنته، والا فجمال الشهادة أحق بالمعانقة والتوحد.

وهل يقف الشاعر الشهيد أمام جمال الحرية فقط، لا، فهو يملك بجانب حسه الوطني
المرهف، إحساسا مفرطا نحو الإنسان في نضاله مع الحياة. فها هو يخط قصيدة تنطق
بالظلم الاجتماعي، وتصور الحالة الاجتماعية المتداعية، وتبحث دقائق النفس
الإنسانية المرائية، كل هذا من اجل حمال شاهده الشاعر ميتا على قارعة الطريق
في حيفا، يمر الناس به ولا يشعرون بموته....

قد عشت في الناس غريبا وها=قد مت بين الناس موت الغريب
والناس مذ كانوا ذو قسوة=وليس للبائس فيهم نصيب

إنها حقيقة يعيشها الإنسان أينما كان على وجه الأرض، لان الطبع الإنساني لا يسالم
الفقير ولا يهادنه، لا في حياته ولا في مماته. فهو مثقل بهموم الاضطهاد وهو حي، ومثقل
بهموم الإهمال في الموت.

وينتقل الشاعر ليصور بكلمات رشيقة مرض النفاق المسيطر على الإنسان....

لو كنت في حبلك شناقهم=لولولوا حزنا عليك وشقوا الجيوب
أو كنت من سلك رزاقهم=لقام عند السل ألفا خطيب
ونزهوا حبلك عن عيبه=وبللوا السل بذوب القلوب

هذا لو كنت ذا تأثير معين، حتى لو كنت تنتزع أرواحهم على أعواد المشانق، أما أنت....

لكنك الحمال- لم يطمعوا=فيك ولم يخشوا أذاك الرهيب