قصائد الرفض والمقاومة الصفحة 2 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

’ البطل الشهيد’ عنوان قصيدة قالها الشاعر في رثاء زميله القائد المجاهد’
عبد الرحيم الحاج محمد(1) من قرية ذبابة، وكأنه كتب على هذه القصيدة أن تنشد
صوتين في صوت الشاعر، صوت صديقه في رحلة الجهاد، وصوت الشاعر نفسه حين
استشهاده.

أإذا أنشدت يوفيك نشيدي=حقك الواجب يا خير شهيد؟

انه تساؤلا، وليس أي تساؤل، بل تساؤل العارف قيمة الاستشهاد حق المعرفة. وكيف
لا يكون ذلك، وهو الذي خاض الصعاب مع المرثي، وعاش وإياه لحظات الجهاد العنيفة
المتوترة، التي تقذف الموت في كل ساعة بالآلاف من الشظايا وعلى كل الجهات وفوق
كل المساحات. تساؤل رجل عرف معنى التنقل من جذع شجرة إلى صخرة، ومن مساحات
القصب إلى غابات الزيتون، ومن بين أغصان البرتقال إلى حقول القمح. تنقل مقاتل
متوشحا بندقيته المعبأة بالرفض والتمرد، تنفل إنسان يرى دماء أهله تسال على
الطرقات، تنقل شاعر يرصد الألم الناتج عن ضياع أجزاء الأرض جزءا خلف الآخر،
ليرسم القهر خارطته فوق العيون وتحت أعطاف المشاعر. تساؤل رجل حباه الله رقة
الإحساس ونداوة المشاعر لكل جميل وحزين. وهو في النهاية تساؤل مقاتل يعرف
تماما الفرق بين الكلمة التي ترافق الرصاص وبين الكلمة التي تأتي من شعراء
وأناس التصقوا بوثير الفراش وعاج الرفاهية، تساؤل شاعر عرف الفرق بين قيمة
الماء وبين قيمة الحروف.

أي لفظ يسع المعنى الذي=منك استوحيه يا وحي قصيدي

نعم، أي لفظ هذا الذي يستطيع أن يجمع معنى الشهادة في سبيل المبدأ؟ وأي حروف
تستطيع أن تحمل ثقل هذا المعنى الذي صاغه القائد بعزمه وتصميمه. إن اللغة
لتشفق على نفسها من حمل مثل هذه الأمانة، لان المعنى لا يخضع للحس المادي،
وإنما يتسامى فوقه ليصوغ الروح الخالدة في ضمير الحق.

لا يحيط الشعر فيما فيك من=خلق زاك ومن عزم شديد
كملت فيك المروءات فلم=يبق فيها زيادة لمستزيد
هذا هو التقدير، وهذا هو الاعتراف للمرء بقدره. إن الشعر الذي يكتبه الشاعر
ليس هو المخلد للقائد الشهيد، وانما الخلود الذي تحظى به الكلمات قادم من
تلمسها لروح الشهيد وأخذ نضارتها وشبابها وجمالها من نضارة وجمال دماء الشهيد
التي تسربت لروح كل شيء في الأرض والناس والتاريخ. من البطولة التي يقف
الشعراء على امتداد العصور أمام القها وقوف المستجدي الذي لا يستطيع غير وصفها
بكلمات صغيرة تتضاءل أمام صور البطولة والفداء. وهذا هو الوصف الدقيق لرجل
اختار الشهادة وتنازل عن الحياة وزهد فيها وهي تستحثه البقاء، لكنه ينتزعها من
بين جوانحه ليروضها على معنى الحياة الحقة، ولكي يعلمها كنه البقاء والسرمدية.

ويسترسل عبد الرحيم محمود ليصل الذروة في تأجج مشاعره وحزنه على صديق جهاده،
حين يصف حالة الوطن بعد استشهاده فيقول:

لم أكن قبلك ادري ما الذي=يرخص الدمع ويودي بالكبود
كل بيت لك فيه مأتم=تندب الناس به أغلى فقيد

وهنا تظهر القدرة الفائقة للشاعر في التوغل داخل المعاني توغلا عفويا يتناسب
مع مفهوم النفس التي تحيا حياة البطولة دون محاولة اكتسابها. لان البطولة لا
يصنعها الفرد، كما إنها تخرج عن اطر الصناعة الجمعية. بل موجدة داخل الإنسان
كمكون أساسي وطبيعي من مكوناته وتركيبته. وللبطولة خصائص قد تبدو للإنسان
العادي متناقضة متضاربة، لكن الأبطال يعرفون المعنى القائم بين ما يراه الناس
من تناقض وتضارب، ويدركون الحد الفاصل بين التركيبة الخاصة بالبطولة والخارجة
عنها. فالدمع الذي ينهمر من العين خوفا ورعبا، هو دمع تنأى البطولة عن
الاعتراف به أو اعتباره شيئا يستحق الاهتمام أو النظر. لكن الدمع المنهمر على
شهيد كان السلاح مرافقا لكل خطوة من خطواته، والاندفاع نحو الموت هو الهدف
الأسمى الذي يتوسط مركز رؤاه، هذا الدمع الذي يسترخصه الشاعر في وقت لا يكون
فيه معنى لبقاء الدمع في العيون. ولان فقدان الأبطال فجيعة لكل بيت، وليس لبيت
واحد، فقد حق على القصيدة أن تجمع دموع البيوت في شكل الوطن الباكي فرحة
انطلاق الروح من جسد الشهيد لتلحم بعليين حيث عرش الإله الذي يفرح بلقائها،
فيأمر السماء كلها بالفرح. وهذه القصيدة تطفح بالصدق لأنها جاءت من مجاهد
شاعر، وليس من شاعر يحاول أن يتصور معنى الجهاد ومعنى البطولة تصورا من خلال
ما يرى ولكن دون أن يحس معنى الذي يراه، بل هي رثاء شهيد لشهيد، لذلك يمكن
القول بان هذه القصيدة ليست لازمة للقائد ذاته، وانما هي رثاء خاص عام، القائد
الشهيد صديق الشاعر ذاته شكل رمزا صلبا للحياة النابضة بحروفها.

وتشكيل الكلمات بالأسلوب الذي ورد في القصيدة يدل على عفوية كاملة للشاعر وابتعاد تلك
العفوية عن الاهتمام بالحبك اللفظي، لذا جاء الصدق واضحا في حروفها أوضح من الحروف
ذاتها. ‘اإذا أنشدت يوفيك نشيدي’، تساؤل استنكاري يهيىء القارىء للدخول في المعنى،
وهذه صفة ظاهره ومتكررة في ديوان الشاعر، والاهم من ذلك كله ان القارىء لا يرى الحروف
بل يعيش الشعور الذي يريده الشاعر من خلال العرق المتصبب من الكلمات...

خمدت نار لقد أضرمتها=لعدى كانوا لها بعض الوقود

إنها رؤية روحية مباشرة من القارىء للمعنى، وقفز سريع من المخيلة للصورة التي رسمها
الشاعر بريشة فنه لاستخدام الحروف.