قصائد الرفض والمقاومة الصفحة 1 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

قصائد الرفض والمقاومة
إليه الذي خرج من ضيق السعة إلى سعة الضيق

شاقا حجب ظلمات ثلاث

صارخا...
رافضا...
متمردا
إلى ولدي...
معتصم

( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما
بدلوا تبديلا)
سورة الأحزاب
( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله
فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقران ومن أوفى بعهده من الله
فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)

سورة التوبة
نحن نقف اليوم أمام طود شامخ، وجبل ثابت، أمام بحر زاخر، فيه من الحنان ما يسير الفلك،
وفيه من الحزم أن يضم في قلبه عالم غامض غريب. أمام شخص تطاول بهامته حتى استطاع أن
يلتقط النجوم والكواكب بيديه، ويوزعها حبات زيتون وسرو وكينا وزنزلخت للأرض. أمام رجل
قلما يكون مثله من رجال، رفض أن يقول ما لا يفعل، ورفض أن يكتب بالحبر خوفا على نفسه من
عدم الوفاء، ففتح وريد قلبه وأملى على التاريخ أن يكتب عنه من دمه. ووقف التاريخ طائعا
يكتب. نحن بالإجمال أمام - إنسان – فقط.

نحن اليوم أمام الشاعر الكبير الشهيد عبد الرحيم محمود.

لم يخلف لنا الشاعر الشهيد إرثا كبيرا من الكلمات، لأنه عرف أن الكلمة فعل،
وهو لم يخلق ليقول إلا ما يود أن يفعل، وبذلك صدق مع نفسه فصدقه الناس. لم
يترك لنا سوى ديوان صغير، صفحاته ثلاث وثلاثون صفحة، تضم في قلبها سبعا وعشرين
قصيدة هي كل ما خلفته قريحة الشهيد.

قلنا أن ارث الكلمات صغير، ولكن، هل يجسر قائل أن يقول: أن الإرث المعجون
بالفعل يقاس بالصفحات فقط؟ لا، لان عملا مجيدا غير مشوب بالذاتية والأنانية
يطوح بملايين الكتب والخطابات، فيخرجها من ذاكرة التاريخ لتدخل عالم النسيان،
لان تلك الذاكرة لا ترضى بان تضع القول في مصاف العمل، لتعطي ذاتها لقب الظلم
والجور وعدم الإنصاف.

فالصفحات القليلة التي بين أيدينا بعددها، كبيرة فيما تحمل من أنفاس ودماء،
عزيمة وصدق، وفاء وإخلاص. وأنني اقر معترفا منذ البداية بان ما سأكتبه عن
أنفاس الشهيد هذه، والتي اسمع صداها في لقمة الخبز التي آكلها، ورشفة الماء
التي ارتشفها، ونسمة الهواء التي أتنسمها، وغمضة العين التي أغمضها، وصحوة
الصباح التي أقابلها، واشراقة الشمس التي تغمر الكون، وفي همسات الأعشاب وعصير
الزيتون وهلاليات البرتقال، في الزعتر البري، في النرجس الساكن فوق القمم،
والماء المنساب في الوديان. اعترف وبثقة مطلقة باني لن أستطيع أن أوفي تلك
الأنفاس العالية الصدى حقها، لا، بل جزء حقها.

ولكني اكتب – فقط – من اجل زيادة هذه المنارة شعاعا بسيطا، في وقت أصبح فيه كل
متشاعر متشدق هدف الأقلام والكتب. في وقت نسي الناس فيه مناراتهم وانتبهوا
لأقزام مدعين، فجنوا على التراث أيما جناية، وأعطوا القدر لمن لا يستحقه، فضاع
الحق وترعرع الباطل. إنها محاولة فقط لرد الاعتبار لهذه الروح الشريفة، وليس
من اجل إيفاء الحق لمن أوفى الحق لوطنه وشعبه، فمثل هذا الشاعر هو الذي يستطيع
أن يوفي الحقوق، ومثلنا يقف ليرى ويشاهد كيف يكون الوفاء بين الشهيد وبين
الروح والوطن، لان الكلمات لا تستطيع أن تعطي الشهادة صورة اصدق من الموت في
سبيل المبدأ، مهما كان الكاتب بارعا ومهما كانت الكلمات دقيقة.

عبد الرحيم محمود شاعر متعدد الجوانب، لكنه ذو بعد واحد في جميع ما كتب، كرهه
ومقته الشديدين للظلم. وهو شاعر ملتزم يدرك قيمة الكلمة وأثرها في النفوس، لذا
ترفعت كلماته عما يشين النفس الطاهرة الأبية، وتعالى فوق الوصف البلاغي الحاوي
للصور الفضفاضة غير المجدية، وتسامى حتى أعطى حروفه دفقات حيوية متوثبة من
عصارة قلبه النابض بالشمولية والإنسانية التي تحث الجماد على مواجهة الظلم
وهدمه. فارتفع باحساساته فوق طاقة الحروف وقدرتها على حمل ما يود قوله. وترك
بين الحروف كلاما تلمسه الروح، ولا تراه العين، ويتسلل إلى القلوب ليعيش في
نبضاتها حياة جديدة، تزكي النفوس وتعطر الدماء. حتى انك لتسمع أنين الحروف
واضطرابها كلما أصخت السمع لبيت من شعره، تشكو ضيقها وعجزها للمعنى الذي يريده
الشاعر، ولا تجد عزائها إلا في همسات روح المعنى لروح القارىء.