قراءة غير منهجية في ديوانه (النوارس تهاجر نحو الشمال) ا من 7

بواسطة: خليل حسونه

الشعر واستراتيجية القراءة التأويلية

الشعر معرفة جمالية قائمة في الطبيعة التي اخضعها البشر والتي لم يُخضعوها. كما انه قائم في حياة الناس، وعلاقاتهم الاجتماعية، وفي حياة الافراد النفسية والروحية. انواعه محاكاة كما يرى ارسطو او كما يرى الجاحظ (صياغة وضرب من التصوير). ساواه هوراس بالرسم وقال عنه سيمويندس انه صورة ناطقة. كما اعتبره ادونيس نوعاً من المعرفة التي لها قوانينها الخاصة بمعزل عن قوانين العالم لأنه تخيُّلي. انه ظاهرة كونية من نتاج الروح واخيرا هو شهادة على العصر الذي اُبدع فيهً.

والاصل في الشعر ان يكون شعرا ليتنافى مع السائد والتقليدي، انه ثورة الكلمة والفكرة. اذ لم يعد الموضوع هو المحور الذي تقوم عليه التجربة الشعرية المعاصرة، بل اصبحت الظاهرة الشاعرة وما يعتريها من بهجة واسى. الا انها ليست الذات المستوحشة المعزولة بل ذات الشاعر المعاصر ابتلعت الكون ومختلف جوانب الحياة في حركتها الثائرة وجعلتها مرآة لها بعد ان كانت هي المرآة. هذه الذائقة تتصل فنيا بأجواء الشاعر نفسه، الذي يطمح لخلق من يتأمل ليعيش حالة من البذل القصوى غرض التعايش مع النصوص فبمناخها المعرفي المعمق، تشرب التاريخ شُربا وتجعل منه ذاكرة مضادة.

يؤكد ادورنو بأن الفن الاصيل هو الذي يقيم عالمه الخاص، بنوع من الاستقلال الذاتي بنفسه بعيدا عن اي ارتباط خارجي عبر اليات قادرة على كشف ما تحت سطح الناس، والحفر فيه حتى تنكشف بنياته العميقة، وتنبثج دلالته الغائبة بما يعمل على خلخلة الوعي من خلال رؤية استشراف لوعي جديد ومتجدد يقوم على التساؤلات والكشف والغوص في اعماق الماوراء.

هناك من يرى في النص الادبي موضوعاً كافياً للمعرفة، وهذا بالضرورة لتحليل مفهوم الافتراض في الشعر، فكل قصيدة تفترض مستوىً ثقافياً وفنياً وحضارياً في القارئ.

مظفّر النواب مثلا في ‘وتريات ليلية’ يفترض معرفة بالتاريخ العربي الاسلامي السابق، ويعيد قراءته لكي ينتقد الحاضر والماضي معاً وافتراضُ مستوىً اعلى من مستوى المجتمع بشكل عام، يجعل القصيدة صعبة ومعقدة. اما الزبيدي فافتراضه اكثرَ قربى وجاذبية لأنه يرتبط بمعرفة الثورة الفلسطينية في علاقتها مع الفعل، وايضا الظروف التاريخية والمحطات المتباينة التي مرت به، وهو ما يشي به ديوانه الموسوم ‘النوارس تهاجر نحو الشمال’ الصادر عام ٢٠١٢ عن دار ازمنة للنشر والتوزيع والذي اعلنته قصيدته الاولى ‘هزي اليك بجذعها’ كما نكتشفه عبرها يصارع بين ما هو كائن وما يجب ان يكون. منذ البدايات الاولى ومنذ ان وضع شاعرنا قدميه في ملف العمل الوطني فالخنادق والبنادق وانتشاء الجراح هي الدافع لقطف الثمر الموعود...!


‘شبت النار واشعلنا الحرائق، وتبادلنا كؤوس الشوق في ظل الخنادق،
فانتشا جرحي مناراً واستبد العشق تذكيه الحرائق،
يوم كان الوعد عاصفة على جسد البيارق، فصرخت من لهفي عليك،
هزي اليك بجذعها يتساقط الموعود تمرا “(صفحة ١٢)