نقوش على الجدار الحزين الصفحة 7 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

في طريق عودتنا نصطدمُ بأوَّل منزلٍ، وهو لا يعتبرُ من منازل المخَيَّم، بل من قرية ‘ذنابة’، وهو منزلٌ بسيطٌ، لكنَّه يعتبر من المنازل الفخْمة في تلك الفترة؛ لأن المخَيَّم بمنازله الرثَّة البالية المكوَّنة من الصفيح، والمدينة الغائصة بزي القرية النائية، المشدودة إلى توزيع البيوت على شكلِ ندبات مُتَباعدة متنافِرة، تستطيع أن تضفي عليه سِمَة الفخامة، بالإضافة لوقوعه بين مساحات من البيارات التي تخفي مَعالم الحركة عن العين، وإذا ما أخذْنا رُتْبة صاحبه كعقيد في الجيش الأردني، ولقبه المرافق للاسم ‘رشيد بك’، نستطيع أن نتخَيَّلَ معنى الرهْبة التي تكتسحُ النفْس وتغلِّفُها بمجهول الرُّتْبة والاسم.
يليه منزل ‘أبو فيصل سيف’، مع بقالة صغيرة تحتلُّ الزاوية التي ستتصلُ بالمخَيَّم من خلال الشارع الذي يفصله عن بيوت المخَيَّم وأهله، و’أبو فيصل’ رجلٌ مُتديِّن، شديد التديُّن، فيه انطواء وبُعْد عن الناس والمخَيَّم، لكنَّه لم يتسبَّبْ في مشكلة واحدة طوال حياته، أنجبَ الكثير من الأولاد والبنات، كُلُّهم كانوا على خُلقه، عُرِفوا بتديُّنهم وأخلاقهم الرفيعة، لكن المفاجأة التي كانت تخفيها السنين، ولد له سيكتب التاريخ حضوره بشكل مغاير، وهو الدكتور ‘وليد سيف’، كاتب المسلسلات التاريخيَّة والوطنيَّة، والذي وضَعَ بصمتَه على زمنٍ حاضر.
بعد الشارع مباشرة يقعُ منزل ‘أبو حسن الكليبي’ وبقالته الحزينة، وهو منزل كغيره من منازل المخَيَّم يكسوه الفقر ويستبدُّ به البؤْسُ، وكذلك البقالة، إلى الأمام منزل ‘أبو جاموس’ وبقالته، وهو رجلٌ لا يعرف الشارع، ولا تعرفه الطرقاتُ، مساحة خُطواته بين باب البيت وباب البقالة، وبين المساحتين مساحة النوم، له امرأة تشاركُه الجلوس على مصطبة البقالة، تكاد البقالة تكون خالية إلا من قليل القليل، وكأنها وُجِدَتْ فقط من أجْل أن تجمعَهما مع الشارع والناس، مغرقين في الفاقة والفقْر، حتى إن أشكالَهم كانت تُوحِي بحجْم الضربة والمأْساة.
قبل منزل ‘أبو حسن كليبي’ شارع يقود إلى مجموعة من البيوت التي تشكِّل الجدار السفلي للمخَيَّم، وهي بيوت متميِّزة بفقْرها الواضح الصافع للعين، بها خليطٌ من عائلة ‘البدو والنواس، وأبو عتيق ومبارك’، التي عُرِفَ منها الشاعر الفلسطيني ‘علي مبارك’، وهي عائلات من مدن وقرى فلسطينيَّة متنوِّعة، لا تمتُّ إلى بعضها بصلة في التركيبة الاجتماعيَّة واللفظيَّة وحتى في اللون، فعائلة ‘النواس والكليبي’ هم قمحيُّون، وكذلك عائلة ‘البدو’، أمَّا عائلة ‘أبو عتيق’ فهم خلاسيون، و’مبارك’ عائلة سوداء البشرة، لكنَّهم توافقوا وتآلفوا، اندمجوا معًا بحُكْم البيوت المتراصَّة التي تنقلُ الصوت من منزل إلى منزل، فلا تُبْقِي للأسرار أيَّ قيمة أو مدلول، حتى إنَّ الهمسَ كان يصلُ أحيانًا إلى الجيران.
يُقال أن أصْلَ عائلة ‘مبارك’ - وهناك عائلات كثيرة مثلها في اللون موزَّعة على حارات المخَيَّم - يُقال: أنَّ أصْل هذه العائلات من بُلدان إفريقيا، وهذا الكلام تمَّ تأكيدُه من كثيرٍ من كبار السنِّ، وكذلك يزعم أنَّ عائلة ‘أبو عتيق’ ومَن مِن فخذها أصْلُهم من الحجاز، وهذا أصبح أكيدًا حين هاجرتْ بعض العائلات إلى الحجاز، وحملتْ جنسيَّتها بعد أن قَدَّمُوا أوراقًا تدلُّ على أصولِهم المنحدرة من قبائل عربيَّة كانتْ قد هاجرتْ من الحجاز؛ لتستقرَّ بفلسطين منذ زمنٍ بعيد، وقد تناقَلَ المخَيَّم أسماء مجموعة من العائلات التي هاجرتْ واستطاعتْ أن تثبتَ أصولَها من خلال أوراق ورثُوها عن أجدادهم، أو عن طريق قبائل وعائلات كانتْ تعرفُ تسلْسُل الأنساب وهجرتها.
تمتدُّ هذه الحارة من أوَّل الْتقائها مع مدرسة الوكالة، فحملَ القسمُ الأوَّل اسمَ: ‘حارة المدرسة’، إلى نهاية الشارع الذي يفصل المخَيَّم عن قرية ‘ذبابة’، حيث يصبح الاسم: ‘حارة البلاونة’، نسبة إلى البدو الذين انحدروا من أصول تمتُّ إلى الاسم بصلة لم أعرفْها حتى يومنا هذا.
والحقيقة أنَّه لا يُمْكِن لأحدٍ مَهْمَا كان بارعًا في تقسيم الحارات أن يحدِّدَ بداية حارة المدارس ونهايتها حين تلتقي مع حارة ‘البلاونة’، والصحيح أنَّ أحدًا لم يحاولْ ذلك من قبل، أو بالأصح لم تخطرْ هذه الفكرة لأحدٍ، وحتى إنَّها لم تخطرْ لي قبل مباشرة الكتابة، والاصطدام بفكرة التحديد.
تتميز الحارة بوقوعها أسفل التَّلَّة التي يحتلُّها المخَيَّم، وتمتدُّ صعودًا لتلتقي بالحارات الأخرى، لكنَّها بحُكْم الروح البدويَّة التي تتشبَّثُ بالحلال، فإنها تكتظُّ بالعجول والخِراف والماعز، وكذلك الدَّجاج والأرانب والبط والأوز، فهي تكاد تخلو من غُرف النوم طلبًا للمساحة التي تحتاجها الحيوانات، وهذا ما شكَّل نوعًا من الحياة والسلوكيَّات الخاصة بها، من ارتياد للسهول والجبال للرعي وجَلْب الحشائش، ومن تجارة في الحليب ومشتقَّاته، ولم يكن غريبًا أن تشاهدَ كثيرًا من أهل المخَيَّم وهم ينتظرون دورَهم لشراء الحليب أو الجُبن أو اللَّبن، وكذلك لم يكن مستغربًا رؤية أكثر أهل هذه الحارة في سوق الدواب.
بعد بقالة ‘أبو جاموس’، مدْخل لزُقاق يفضي إلى مجموعة من البيوت التي تتصلُ الجِهة السفليَّة منها بحارة المدارس، والجِهة العلويَّة بحارة ‘البلاونة’ من الطرف الأعلى، وهي حارة شديدة الضِّيق، لا يوجد بها طريق واحدٌ يتَّسع لسيارة، ولكنَّها بالتأكيد تتسعُ لعَرَبة الحمير والخيل، يقطنُها مجموعة من عائلات مختلفة، كعائلة ‘الطوير، و’الصباريني’، التي كان أبو عبدالله الصباريني عَلَمًا من أعلامها، بحُكْم وظيفته كمختار للمخَيَّم في فترة حياته، وعائلة الأسمر، التي عُرِفَ منها الكاتب الصحفي ‘حلمي الأسمر’، وإذا ما استرسلْنا للسير، فهناك منازل عائلة ‘أبو باجة’، و’أبو قمرة’، وبيوت كثيرة، كلُّ بيتٍ ينحدرُ من عائلة مختلفة عن الأخرى، وهذا ما جعَلَ الأمرَ صعبًا في تحديدها من ناحية الأصول.
نعود للشارع لنجد منزل ‘أبو مجدي المواسرجي’، وكان يعملُ موظَّفًا لصالح وكالة الغوث بعد أن رحَلَ مَن سَبَقَه إلى الحجاز، يليه فتحة تقود إلى تفرُّعات شديدة الضِّيق، مكتظَّة بالبيوت التي تكاد تكون مفتوحة على بعضها من شدة التداخُل، لا يوجد بها علامة مميزة، لكنَّها بكلِّ أحوالها متشابهة مع بقية الحارات؛ من حيث الفقر والبؤس والمأساة، وكغيرها تعتمد تربية الدواجن والطيور والأرانب؛ لتستطيعَ الحصول على طعامٍ يساعدها على البقاء.
يليه منزل ‘أبو طاحون’، وهو خيَّاط ملابس، رجل وديعٌ، لا يكاد يُعرف في المخَيَّم؛ فهو يخرج صباحًا إلى مخيطته بالمدينة ويعود مساءً، أولاده يتمتعون بهدوءٍ لا يتناسب مع بيئة المخَيَّم التي تقودُ إلى العنفِ والعصبيَّة الشديدة، خلف بيته مجموعة من الأزِقَّة والطُّرقات التي - بكل ضيقٍ - أحيانًا تتسعُ لشخص سمين، قبل بيته منزل غريب ببُعْده عن الشارع الرئيسي ‘للمختار عمر عمارة’، وبالقُرب منه منزل لامرأة وحيدة، سمينة إلى حدٍّ لا يُصَدَّق، لا تكاد تستطيع الوقوف من شدة سِمْنَتها، اسمها ‘بديعة’، ظلَّت لفترة طويلة تمثِّل نوعًا من غموض يستحق الجلاء، مع شفقة ممزوجة بشعور غير مفهوم، لكنَّها ولسببٍ ما كانتْ مُضطهدة من قِبَل الأطفال بسببِ سِمْنتها، وظلَّت لغُزًا إلى يوم وفاتها، حيث سادَ حزنٌ لم يتناسبْ مع كَمِّ المشاعر المختلطة التي كانتْ تنتابُ الناس بسببها، وراء بيتها كَمٌّ من الأزِقَّة الحزينة البائسة بسُكَّان يتقاسمُهم حزنُ المكان وحزنُ الزمان.
بالْتفافٍ إلى الزقاق الذي يَلي منزل ‘بديعة’ منزل امرأة من عائلة ‘الزبيدي’، لها ولدان؛ ‘جبر وعمر’، عمر أُصيب بالجنون المفاجئ، وكان جنونه من نوعٍ خاصٍّ؛ فهو لا يؤذي مُطْلقًا، لا يتحدث كثيرًا، فيه عادات غريبة مُثيرة للاستهجان والدَّهْشة، فهو يضعُ فمَه على صنبور المياه، ولا يرفعه إلا بعد فترة طويلة، كنَّا نظنُّ خلال ذلك أن بطنَه سينفجر من الضغط الهائل الناتج عن المياه، طريقتُه في التدخين نَهمة، فهو يُشعلُ الدخينة لتنتهي وهكذا، يعمل حمَّالاً في المدينة من وقت لآخر، علاقته بأُمِّه علاقة المؤمن المتبتِّل؛ فهو يحبُّها إلى درجة لم تُعْهَدْ بمَن أُصيب بمسٍّ أو جنون، فكل ما يحصلُ عليه من مالٍ خاصٍّ بها، باستثناء ثمن الدخائن، يحفظ أشعار جرير والأخطل والمتنبي وعنترة بطريقة مُحْكَمة وواعية، ومن خلال إلقائها على الناس يحصل على علب الدَّخَائن في وقت تبطله عن العمل، روايات سبب جنونه تُثير الاستغرابَ والتساؤل والدهشة، استَخدمتُ شخصيته في قصة قصيرة بمجموعتي ‘على رصيف’ بعنوان ‘وانع يو’، وهو الاسم المحبَّب الذي كان يحبُّ أن يُنادَى به.