نقوش على الجدار الحزين الصفحة 6 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

العودة إلى المفرق الذي غادرناه؛ كي ندخلَ حارة المطار، وهو الذي يلي ‘دُكان الصابر’، ومنه ‘مقهى الحارون’، وهو مقهى مرتفع عن سطح الأرض؛ لوقوعه فوق تَلَّة صغيرة، يتمسَّك بشكلِ البؤْس المنسحب على كلِّ مَن في المخَيَّم، لكنَّه أيضًا شكَّل علامة فارِقة أبرزَها المستقبل بطريقة تدفعُ للذهول، تمامًا مثل بيت ‘دلعونا’ الذي مزَّق المستقبل بذريَّة أرهقتْها توابعُ التحلُّل من الأخلاق والفضيلة إلى حدٍّ لو قُدِّرَ لعلماء النفس والاجتماع أن يعرِّفوها، لعدُّوها ظاهرة غير طبيعيَّة يمكن من خلالها الوصول إلى مكوِّنات الانحدار والسقوط.
إلى الأمام بقالة ‘عبدالرؤوف زيدان’، وهو وجْهٌ من أوْجه المخَيَّم، رغم تشابُه وضْعِه مع أوضاعهم؛ فهو طويل القامة، نحيل إلى حدِّ الاختلاط بين النحالة والعاديَّة، يلبس ‘ديماية’ مقلَّمة أحيانًا، وبلون واحدٍ في أحيان أخرى، وحطة بيضاء فوقَها عقال، شكَّل وجودًا اجتماعيًّا ملحوظًا بشخصه، فهو يشارك بالصُّلْح وفضِّ النزاعات، لكنَّه لم يكنْ بعيدًا عن وسمات العذاب والحِرْمان التي يكتبُ المخَيَّم سطورَها ومفرداتها على ملامح الناس جميعهم؛ سواء كانوا من الوجهاء في المخَيَّم أم العاديين.
إلى الأمام منه منزل ‘موسى جعيم’، وهو رجلٌ بسيط، وادع، رائع في صَمْته ومسالمته، يشكو من فقْر متمكِّنٍ، تسانده زوجتُه القوية الشخصيَّة، إلى حدِّ أنَّ المخَيَّم رأى بها امرأة مستبدَّة، لكنَّها استطاعتْ - بفضل حنكتِها وحِكْمتها - السيطرةَ على كلِّ مسارب العائلة بقبضة من فولاذ، ونجحتْ في نقْل نفسها وزوجها وأولادها من بؤْرة الفقر إلى المنطقة الوسْطَى، ليس بين أهل المخَيَّم فقط، بل وبين طبقات المدينة.
يليه مقهى محاطة ساحتُه بجدار واطئ، تناوبَ عليه مجموعة من الناس، وهو مقهى كغيره من المقاهي البائسة والفقيرة، لكنَّه مَوْئِلُ الكثير من الناس الذين جمعَهم الشَّتَاتُ على نقطة، رغم عدم معرفتِهم بها، وعدم معرفة بعضهم قبلها، إلا أنَّهم بفعْل المأساة والنكْبَة الموحدة اندمجوا معًا بحديث الذكريات والألم والوجَع، لكنَّهم ظلُّوا مُعلَّقين بين التمازُج والتنافُر، وكان هذا وحدَه قادرًا على استنهاض علامات الضياع وتكوُّنها على غُرَّتهم وناصِيتهم.
يليه محلٌّ صغير، مُلطَّخ ببقايا لحمٍ ودماء، ثنبعث منه روائحُ مقززة، تصيب النفس بالغثيان، صاحبه رجلٌ قصيرُ القامة، سمين، ملامحه توافقتْ مع ملامح السكين والساطور، فهو جزَّار لا يعرف عن الذبح شيئًا، لكنَّه متخصِّص في بيع رؤوس الأبقار والعجول، فهو يسلخُها ويستخرجُ اللَّحم والدماغ والعظْمَ واللسان، ويرتِّبها فوق قطعة من خشب ارتوتْ بالدماء وبقايا اللحم؛ حتى أصبحتْ وكأنها جزءٌ من تركيبة المكان والشخص، شكْلُه يثير الدهشة؛ فملامحه وَعِرة، ورأْسُه كبير، لا يتناسبان مع قِصَرِه، وإذا ما أضفْنا إلى كلِّ هذا كرشَه المنتفخ بقوَّة، تشكَّلتْ أمامنا شخصية غريبةٌ، كشخصيات الحكايات التي كانت ترويها الجدَّات، ليس له منزل في المخَيَّم أو عائلة، فهو كما كان يُقال: مقطوع من شجرة، ينام في محلِّه مع بقايا اللَّحْم والدِّماء، لا أظنُّ أنَّه امتلكَ أكثرَ من سروالين وقميصين متشابهين تمامًا؛ لأننا لم نرَه مرة في الحياة قد ارتدَى غيرَ ذات اللون أو التفصيل، شديدُ الصمْت، عظيمُ الانزواء، مُمْعِنٌ في الانطواء، حتى يوم اختفائه من المخَيَّم مرَّة واحدة، دون أثرٍ أو علامة أو خبر.
نتقدَّم نحو بقالة ‘ذيب الحافي’، وإلى الأمام مقهى ‘أبو حيدر’، وهو رجلٌ متناسق الجسد، يعشق القهوة بشكلٍ غريب، فلدَيْه محماس خاص، ومهباش رائع الشكْل والتطريز، أصبحَ صوتُ المهباش علامة من علامات الشارع، فصوتُه الموسيقِي الرائع، وحركة اليدين والجسد المتوائِمة مع الصدى الموسيقي كانت تدفعُنا للاستماع والتأمُّل.
يلتصق بالمقهى منزلٌ واسع تتوسَّطه شجرة ‘توت’ عملاقة، تحيطُ بها مجموعة من أشجار الليمون، منزل امرأة اسمها ‘عذبة’، كانت مع أولادها وبنتها تستقبل الناس في ساحة المنزل، وتحت ظلال الشجر، تقضي أيامها بتناوب بين زائرٍ وزائرة، امرأة بسيطة لم يحمل وجودُها أيَّ أذًى لإنسان، تطاردُ دجاجاتها وصيصانها وأرانبها، تتعهَّدُها بالرعاية كمصدرٍ مُهِمٍّ تجني من خلاله رزْقها.
بعده بقالة ‘أبو نزيه’ الذي رحَلَ من المخَيَّم فجأة، فظلَّت البقالة خالية، إلى أنْ وَضَعَ يدَه عليها ‘النمرُ’.
بعدها مباشره محل ‘سنكري’؛ لأبي عطا القوزح، وهو رجلٌ يُصلح بوابير الكاز، ولكسات الإضاءة، لكنَّه رحلَ أيضًا بظروف مفاجئة.
يليه بقالة ‘أبو فخري العياط’، فمنزل ‘التفال’، فمنزل ‘آل مروح’، فمنزل لرجل طاعنٍ في السنِّ هو وزوجتُه، لم يمتدّ العمرُ بهما طويلاً.
يلي هذا كله مَعْلم رائع مِن مَعَالم المخَيَّم، شجرة ‘كينا’ ضخمة متطاولة في الأُفق، سميكة الجذع أمام مقهى ‘الدردش’، وهو مقهى بمساحة واسعة، مفتوحة على الشارع، فيه سِحْر مُسْتَمَدٌّ من عَظَمَة الشجرة وهَيْبتها، خلفه مباشرة حارة ‘الباير’، يقطنُها عددٌ قليلٌ من الناس والعائلات، تتشابه أوضاعُها مع ما سبق ذِكْره، لكنَّها تتميزُ بانحصارها بين الشارع الرئيسي للمخَيَّم، وبين حدود المدينة وبيوتها، فهي تشكِّل شريطًا صغيرًا سيمتدُّ إلى حارة ‘الربايعة’ ليلتقي مع منزل ‘الزغل’ الضخْم المبني بالحجر والأسمنت، والذي كان يشكِّل وقتها صرحًا غريبًا وفخْمًا على أهْل المخَيَّم، ودَعَمَ هذا الظنَّ افتراقُ العلاقة بشكلٍ كاملٍ بين ساكِنيه وبين أهل المخَيَّم، وهو افتراقٌ مَبنيٌّ على نظرَتَيْن مُخْتلفتين؛ نظرة عائلة ‘الزغل’ التي كانتْ ترى بالمخَيَّم ورمًا نابتًا لا يُمْكن التعامُل معه، ونظرة المخَيَّم المغلَّفَة بالقهْر والهزيمة والشعور بنظرة الغير الدونيَّة لهم، وظلَّ هذا مُعلَّقًا إلى فترة كان لا بدَّ فيها للطرفين من التصالُح مع الوضْع، والتعامُل مع بعضهم ولو مِن بعيد.
إلى الأمام بقالة ‘الأطرش’، وهو رجلٌ ضعيفُ السمع، لكنَّه متماسِك وقادرٌ على إدارة البقالة، تأتي بعدَها بقالة ‘أبو هاشم’، فبقالة ‘أبو أيوب’، وهذه البقالة كانتْ تجمع عجائز المخَيَّم، هناك يلتقون، يتسامرون، يلعبون ‘السيجة’، ويتحدون، إلى أن توفِّي ‘أبو أيوب’، فانزاحتْ عن المكان علامة فارقة كانتْ تغذي نظرات طفولتِنا لتلك المجموعة الممرغة بالحزن والأَسَى، والفقْر والرِّضَا.
خلف البقالة حارة ‘الربايعة’، ولا أحد يعلم لماذا سُمِّيت بهذا الاسم، يسكنُها عددٌ من العائلات السوداء، كعائلة ‘أبو ريحان’، وعائلة ‘رجا’، وعائلة ‘بخيت’، وهي صغيرة جدًّا، لكنَّها كغيرها من الحارات لا تخلو من طيبة في أهْلها وقاطنيها، ولا تخلو من أسراب الدجاج والصيصان، والأرانب والحمام التي لا يخلو بيت في المخَيَّم منها؛ طلبًا للرزْق والمعيشة والأكْل.
يمتدُّ الشارع بعد ذلك ليصلَ إلى مدارس وكالة ‘غوث اللاجئين’، التي تتصلُ بشارع نابلس الذي يشكِّل نهاية رحلتنا من هذه الجِهة، حيث سنستدير لملاحقة الجِهة الأخرى بما فيها من حارات وعلامات وتفاصيل مُهمة، ولكن قبل الاستدارة، لا بدَّ من ذِكْر مَعلم مُهمٍّ من معالم المخَيَّم مقابل للبوَّابة التي تؤدِّي إلى مدرسة الذكور، وهو صالون الأنوار، صاحبه ‘صبحي أبو سرية’، الذي كان حلقة وصْلٍ كبيرة بين الأهل والطلاب والمدرسة، هو رجلٌ بسيط، حلاَّق، وككُلِّ حلاقٍ في زَمَنِه، فإنَّه يتمتَّع ببعض الخِصال الطبيَّة، فهو يعالج الأمراض الجلديَّة، كالحزازة التي كانتْ مُنْتشرة في ذلك الوقت، إضافة للجَرَب والدَّمَامل، وبرحمة من الله كانتْ أكثر معالجته تنجحُ بشكْلٍ يثيرُ الدهشة، لكنَّه رغم ما ظلَّ عليه من ادِّعاءٍ بقُدْرته على معالجة الصَّلَع، سجَّل فشلاً كاملاً في النجاح في هذا المضمار، لكنَّه كان ينجحُ بإعادة الشعر إلى الرأس الذي تعرَّض لمرضٍ جِلْدي أدَّى إلى سقوط الشعر بكامله، ورُبَّما هذا ما دفَعَه للاعتقاد بأنَّه يملكُ القُدرة على إعادة الشعر.