نقوش على الجدار الحزين الصفحة 5 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

إذا انعطفنا يمينًا نرى منزل ‘أبو إسماعيل المسحر’ الذي تحدَّثْنا عنه حين تحدَّثْنا عن أبي حرب، لكنَّ هذا المنزل تمتَّع بشجرة ‘توت’ عِمْلاقة، وبعض الليمون، وقن للدجاج، وخم للحمام، ولو أردنا التحدُّث عن هذا الرجل الذي كان يعيش أكثرَ من حياة وأكثر من عُمْر في ذات اللحظة، لبكينا وضحكْنا، لندبنا وقهقهْنا، لكن رُبَّما يأتي ذلك يومًا وفاءً للمكان والناس.
بعده مباشرة منزل ‘أبو العيلة’، والملقَّب ‘بالنمر’، فهو رجل طويل القامة، ممتلئ الجسم، له شاربان كثيفان مفتولان، يحمل بيده عصا كفرعون، يعلن عداءَه لكلِّ مَن يحاول أن يقتربَ منه دون الأخْذ بعين الاعتبار هيبته، متزوِّج من امرأتين؛ ‘هيلانة’ القديمة، و’حمدة’ الجديدة، وكانت ‘هيلانة’ تُعاني ويلات الزوج، و’حمدة’ في نفس الآن، رغم أنها امرأة تعرفُها السكينة، ويصاحبُها الهدوءُ.
منزله كبير وواسع، وبسبب سطوته فقد استطاع أن يضَعَ يده على مجموعة من البيوت، لكنَّ منزلَه الرئيسي تشكَّلَ من تسوية تعلوها غُرفة معروفة بالعلية، التسوية لمجموعة من الأبقار والأغنام، والفحول والخِراف، وعلى الباب الخارجي منطقة للحمار، كان وضعُه المادي جيدًا، فبجانب المتاجرة بالحلال يبيع الحليب، والصوف، والجلد، وكان يتقاضَى أجرًا عن تشبية كلِّ سخلة أو غنمة أو بقرة، لكنَّه إلى جانب كلِّ هذا سيِّئ السمعة؛ من الجانب الأخلاقي، ومن ممارسته الظلمَ بسبب عدد أولاده، وظلَّ كذلك إلى أن انطفأ بصرُه، عندها كانت المفارقة بين النمر، وبين من يتسوَّل الحديث مع الناس، حتى إنَّ بعض الناس شمتتْ به ورأتْ أنَّ العمى انتقام من الله للناس الذين ظُلِموا.
قبل هذا المنزل منزل يزخر غرابة ووحشة، وقفرًا وهجْرًا، وكأنَّه بقعة خياليَّة موجودة في ذاكرة المخيلة للناس، وليس حقيقة واقعة، رغم اتِّساع مساحة أرْضه وضخامة أشجار السرو والصنوبر التي تحيط به بشكلٍ كثيفٍ، عدا بعض أشجار الحمضيات المشكلة التي تتوسطه، لكنَّ ساكنَه رجلٌ غريب؛ فهو أسود البشرة، شديد السواد، طويل القامة مع تناسُق في الجسد كالرمح، عيناه حمراوان، وكأنهما غطستا بدمٍ قانٍ، يعاقر الخمرَ بشكلٍ متواصل؛ مما دَفَعَ الناس للفْظِه، ومما دفعَه للالتصاق بالوحدة والانطواء، يُدْعَى ‘أبا حلمي’، ملابسه نظيفة ومُرَتَّبة إلى حدٍّ لا يُصَدَّق، مَكْويَّة بطريقة تثيرُ الدهشة إذا ما أُضِيف تناسقُ الألوان، لم يكنْ مؤْذيًا بأيِّ حالٍ؛ فهو يغادرُ المنزل صباحًا، ويعود مساءً، وجُلُّ ما كان يمزقُ الوحشة، العتابا والميجنا الباكية والحزينة التي كان ينشدُها وينقلُها سكونُ الليل إلى الناس، ظلَّ كذلك إلى أن اختفى واختفى صوتُه، وبعد أيام قليلة انتشرتْ في الحارة رائحة نَتِنَة، غير معهودة، تَتَبَّع الناسُ مصدرَها، فكانتْ جُثَّته المنفوخة التي بدأتْ بالتشقُّق، تعاونَ الناس وحملوه إلى المقبرة دون الصلاة عليه بالمسجد، ودُفِنَ ودُفِنَتْ ذِكْرياتُه في نفْس اللحظة.
ومما يدفعُ العقلَ للتأمُّل بالمصاير المقترنة بالمكان أنَّه بعد أشهر وَصَلَ أخوه ويُدْعَى: ‘عبدالخالق’ مع أُمِّه وأقاما بالمنزل، لم يتواصلا مع الناس، لا نعرف سببًا لذلك، وظلَّتِ الوحشة تسيطر على المنزل، فكانتْ كائنًا يقيم معَهم، وفي يوم غزتْ رائحة نَتِنَة الحارة مرَّة أخرى، كانتْ جُثَّة عبدالخالق الذي ماتَ في نفْس الغرفة، وعلى نفس الزاوية التي مات فيها ‘أبو حلمي’، كانت أُمُّه في تلك الأثناء في زيارة في الأردن لم تَعُدْ منها، نُقِلَ الجثمان إلى المقبرة، وهناك صلُّوا عليه صلاة الجنازة؛ حتى لا تتكوم رائحة التعفُّن التي أصابتِ الجثَّة بالمسجد.
نزولاً من جهة منزلنا لم يبقَ سوى بيتين لا بدَّ من الحديث عنهما؛ بيت ‘أبو إبراهيم دلعونا’، وبيت ‘زياد بدير’، وفي الحديث عنهما تناقُضٌ وافتراق؛ فهنا مأساة متدفِّقة كنهرٍ لا تُوقِفه سدودٌ، وهناك مأْساة تحتضنُها دعابة تُخْفي غليان الأَلَم تحتَها.
منزل ‘دلعونا’ - كما كنَّا نردِّدُ - دون أن نعرفَ سببَ التسمية ومصدرَها، غائص في الفقر والغرابة والدهشة والذهول؛ فهو مزيجٌ من الانطواء والوضوح، بل هو اندماجٌ بين ما تحسُّ أنَّك تعرفُ فتتفاجَأ - حين تودُّ كَشْفَ معرفتك - بأنَّك عاجزٌ عن الكشْف، بل وغارقٌ في الحيرة والجهْل، فأبو إبراهيم رجلٌ طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي قمبازًا مقلَّمًا وحطَّة تميل نحو اللون الأصفر الباهت، كان يعمل في البيارات، صلتُه بالمخَيَّم صلة الطريق أو حاجة بقالة، زوجتُه طويلة مثله، نحيلة، ترتدي أثوابًا منقشة بالورود، لكنَّها تميلُ للذكورة بشكلِها أكثر من ميلها للأنوثة، تناولَ المخَيَّم حكايات غريبة عنها وعن زوجها، كانتْ كلها تتكدَّس بطريقة تثير التقزُّز من صفاتهم النفسيَّة وعلاقاتهم الاجتماعيَّة، ونحن لم نكنْ نملك دليلاً على الطعْن القاسي الذي كان المخَيَّم يُجْمِع عليه، لكن الانزواء وكثرة الزُّوَّار المجهولين الذين كانوا يتردَّدون على البيت كانتْ تشكِّل تساؤلاتٍ تَدْعَمُ المقولات التي يردِّدها المخَيَّم، وظلَّ المخَيَّم مُتعلِّقًا برواياته إلى يوم وفاة أبي إبراهيم، ومن ثَمَّ زوجته، فصمت المخَيَّم، ونسي كلَّ شيءٍ، إلا أنَّ المستقبل جاء ليفجِّر كلَّ شيءٍ بطريقة راعبة للعقْل، مكتسحة للوعي، فكان ما يُقال جزءًا صغيرًا مما أظهرَ المستقبل، بل جزء أدق من رأس الإبرة؛ لأن الرواية حول هذا الموضوع ستمتدُّ من البيت الرابض فوق البؤْس؛ ليطال أحداث في أرض الحجاز واليمن والسودان، وهي أحداث لم يكن أحدٌ على الإطلاق يتوقَّع خروجَها من هذا البيت، لكنني سأتوقف هنا؛ لأنها جزءٌ من رواية الشيء التي أعمل عليها، وستُسَجّل أدقّ التفاصيل لهذا الموضوع الذي اضطررتُ للعودة إليه أكثرَ من مرَّة، ومن خلال مَن عاصروه بشدَّة.
المنزل الأخير في هذه الحارة منزل ‘زياد بدير’، وهو ابن ‘النمر’ الذي مَرَّ ذِكْرُه، منزل يعتبر زريبة للحيوانات التي تتقاسَمه مع البشر، صاحب المنزل غريب الأطوار، مسالم وعدائي، فيه قسوة لا يمكن وصفُها على زوجته الرائعة الصبر والاحتمال، فهي امرأة تصفو كل الصفات فيها، لا صوت لها ولا حضور، وديعة، لكنَّها تتحاشى التعامل مع الناس؛ خوفًا من اضطرارها للبكاء أمامهم، أما هو فإنه موزَّعٌ بين غباءٍ يخجل الغباء منه، وبين تشتُّتٍ في مصادر الرزق التي تمنحه الكثير، لكنَّه يبدِّدُها بالبناء والهدْم، فهو يبني اليوم عمودًا من أجْل تصميم في رأْسه، ثم يهدمه ليبني عمودًا آخرَ، حتى إنه يمكنُنا القول: إنَّ البناء والهدْم أصبحا مكوِّنًا من مكونات شخصيته إلى حدٍّ لا يُصَدَّق، وكأنَّه إدمانٌ لا يمكن التخلُّص منه أبدًا، يتمتَّع بوحشيَّة مُفْرِطَة في معاقبة أولاده، حتى ليظن الشخصُ أنهم من ألَدِّ ألَد أعدائه.
من الطريف أن نروي حادثة عابرة عنه، فهو يمارسُ الرزق على حمار يجرُّ عَرَبة، وكان من طبْع الحمار أنه يعرف الطريق دون الحاجة لتوجيهه، وذات يوم وبينما كنا نقفُ على الشارع الرئيسي للمخَيَّم، انحرف الحمار نحو مدخلٍ غير مدخله المعتاد، ضحكْنا وسألْنا ‘زيادًا’: مَن الذي أخطأ؛ أنت أم الحمار؟ فأجاب: لا ليس الحمار، بل أنا.