نقوش على الجدار الحزين الصفحة 4 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

إلى الأمام وبعد منزل ‘الدرهية’، منزل ‘أبو درويش الفرحانة’، وهو منزل يستحقُّ الالتصاق بالمكان والزمان؛ لما فيه من أُناسٍ طيِّبين، وصلت الطيبة إلى الْتصاق الخُرافة ببعض صفاتهم، وهذا المنزل يستحقُّ أن نقفَ عنده لنتحدَّثَ عن ساكنيه.
هو منزل بسيط، يلاصق الفقر ويساهره، جدرانه واطئة، ممرَّغة باللون البني الغامق من شدة تكالُب البؤْس عليه، صاحبه مُزَارِع في سهول المدينة، يخرج صباحًا قبل أذان الفجر، برفقة البغل المكدن والجار عَرَبَة طويلة، ليعود في المساء والعتمة تنشبُ مخالبَها بالنهار والضوء، يتقاسمُ البغل السكن مع العائلة في أيام الشتاء، حتى بدا لنا ونحن أطفال أنَّه جزءٌ من العائلة، يحاط البيت بصمتٍ غريب، رغم الحركة الدائبة المتواصِلة من الوافدين إليه من المخَيَّم والمدينة والقُرى والمدن الأخرى.
وفيما يُروى أنَّ أبا درويش رجلٌ مبارك معطى، وأنَّه يتمتَّعُ بسبب تقواه ووَرَعِه بقُدْرات خياليَّة في معالجة الأمراض، مَهْمَا كان نوعُها؛ لأن البركة وصلتْ إليه من والده الذي ماتَ قبل أن يعرفَه المخَيَّم، فكانَ الناسُ بدافعِ الأُسْطورة التي يشكِّلها كلُّ مريضٍ تماثَلَ للشفاء بطريقته ورؤيته الخاصة، يدعمون نظرية البركة التي يتميَّز بها هذا الرجل، فإذا أضفنا سببًا آخرَ، وهو أنَّ أبا درويش لم يتقاضَ طوال حياته أجرًا أو يقبل هَديَّة ممن عالجَهم، توطدتْ أسطورة البركة التي أرساها الناس بطريقة رفعتِ الرجل في نظر الجيران، ومَن حولَهم إلى مصاف الأولياء، والغريب الذي غذَّى الأسطورة كلَّها أمرٌ لَمَسْناه بالحقيقة، ولا يمكن إنكاره، وهو يدعو للدهشة والتأمُّل والبحث والاستقصاء، وهو أننا لم نكن نحفظُ شكلَ الرجل بوضوحٍ كامل، فإذا ما حاولنا وصفَه عجزنا رغْم إدراكنا السابق أننا لن نجدَ أيَّ عناءٍ في الوصف.
وحين انتقلَ الرجل إلى جوار ربِّه، أُسْنِدتْ مهمَّات الفِلاحَة إلى أبنائه، ومهمَّات البركة إلى زوجته، وحين ماتتْ زوجته انتقلتْ مهمَّات البركة إلى زوجة ابنه، ثم إلى ابنته، إلى أن برزَ جيلٌ لا يعرف البغل المكدن، ولا يعرفُ السهول، ولا يعرفُ البركة.
يقابله منزل رجل آية في الغَرابة، حمَّال يعيش وحيدًا، اسمه ‘مصطفى القرق’، لا يُسْمَع له صوت، يعيش وحيدًا، لا يعرفُه أحدٌ حقَّ المعرفة، خُطواته محسوبة معدودة، ظلَّ كذلك فترة طويلة من الزمن، حتى تزوَّج في سنٍّ متأخِّرة، وأنجبَ، فأصبح يظهر بالحارة بسبب أولاده، لكنَّه ككل إنسانٍ، يحيا بعيدًا عن المشكلات والأذى، ظلَّ في مخيلة الناس إنسانًا لا يصلح للحياة، مع أنه كان يتمتَّعُ بقلب يقطرُ طيبة ووفاءً للناس الذين عَرَفَهم، وقد لَمَسْنا ذلك بعد وفاة والدي، فوالدي حمَّال مثله، لَمَسْنَا ذلك من خلال مواظبته على زيارة أمي وسؤالها عن أيِّ حاجة، ووصيته الدائمة لنا بالحِفاظ عليها والوفاء لذكرى والدنا.
في تفرُّعٍ صغير منزل عائلة ‘أبو شطل’، و’أبو الدجاج’، و’الطلوزي’، و’أبو مصيصة’، الذي كان يعمل كقاتل، وقد قُتِلَ في ظروف غريبة رُبمَّا يأتي يوم للتحدُّث عنها، وإلى التفرُّع الآخر نصل إلى منزل ‘أبو الحتة’، وهو منزل امْتَاز بالصراعات والمناوشات بسبب الاضطهاد الذي واجهه الأطفال من العائلات الكبيرة في المخَيَّم، امْتاز المنزل برائحة الحيوانات والفحول التي تقطنُ المنزل مع الناس، حتى إنَّ رائحة الفحول كانتْ تفوح من جلد العائلة إذا اصطدمْتَ بهم في الطريق.
نزولاً من منزل ‘أبو الحتة’، منزل ‘أبو حسين العجل’، وهو رجل أقام علاقة وثيقة مع حماره، حتى لا يكاد يُرى دونه، منزله واسع، فيه حاكورة غنيَّة بأشجار الليمون والبرتقال والدراق، ومكْتظ بالمتسلقات، وخاصة الياسمين الشامي والعِرَاقي، مُفْرِط في الفقر والبساطة والانزواء والانطواء، رغم بسمته التي تكاد تكون مكوِّنًا من مكونات تقاسيمه، يقابله منزل ‘أبو علي القهوجي’، وهو منزل بسيط يتحد مع الفقر والفاقة، سُكَّانه أشد غَرابة مما يمكن أن يُتَصوَّرَ؛ فهم أمْيَلُ إلى الأقزام المملوءَة أجسادهم بالشَّحْم، كان مكروهًا ومنبوذًا بشكلٍ كاملٍ، ولولا إدارته إلى مقهى [ولولا ذهابه إلى المقهى]، لكان معزولاً عن الناس كجربٍ لا يُطَاق، سيرته الذاتيَّة مع أفراد عائلته يَنْدَى لها الجبين، وحين مات تحدَّث الناس عن رؤيته في المنام وهو يتلظَّى في عذاب جهنم.
انحرافة بسيطة إلى اليمين، منزل ‘البيارية’، وهي امرأة أرْملة لها ثلاثة أبناء، كانوا أشدَّ عصيانًا من العصيان، فهم يأكلون وهي جائعة، كانوا يضطهدونها وكأنها وباءٌ يجب مكافحته، وكانت تُضْرب يوميًّا ضربًا قاسيًا مُبرحًا، يترك علاماته على وجْهها، وحين كانت تأتي لزيارة أُمِّي، وتتحدث وتشكو، كانت تقطعُ نياط القلبِ، لدرجة أن التفكير يتمحْوَر عن الطريقة التي يجبُ أن يُقتلَ بها أولادُها، ومن علاماتها المميزة علبة السعوط التي ترافقها وكأنها كلُّ ما تملك في الحياة، فهي متمرِّسة باستنشاق السعوط والعطس؛ حتى بدا من المستهجن أن تكونَ لحظة واحدة دون عطسٍ.
في انحدار نحو الأسفل منزل ‘أبو عثمان’، وهو منزل يكاد الفقرُ يشكو من فقْره، وتكاد المأساة تشكو من مأساته، فيه خليطٌ من بَشَر ينامون على الأرض المرسومة بالقذارة، ليس لأنهم لا يملكون حِسَّ النظافة، بل لأنَّ تركيبة البيت تأبَى أن تكونَ نظيفة مَهْمَا بُذِلَ مِن جُهْد، وراء البيت حاكورة كبيرة تتميَّز بأشجار الرُّمَّان والدوالي، وليمون البنزهير، كما تمتلئ بأزهار فوَّاحة الرائحة، وحين مات أبو عثمان، لم يشعرْ أحدٌ بفُقْدان الشخص، وهذا أمرٌ مستغرب ومستهْجَن، خاصة في ذلك الوقت الذي كانت الناس فيه رغم اختلافها في المنابع والأصول والعادات والتقاليد، ورغم الاقتتال الحاصل، بقوا أوفياءَ لبعضهم، وكأنَّ فكرة الالتحام والتكافل كانت ضرورة من ضرورات البقاء والوجود.
مقابل بيت ‘أبو عثمان’ مباشرة كانتْ هناك صخرة ناتئة، يرهبها الناس ويخشاها كلُّ سُكَّان المخَيَّم؛ فهي الصخرة التي ذُبِحَت عليها ‘بهجة’ بيد أخيها، وظلَّت الناس تروي حكايات متواصلة عن خروج شبحها الذي يصرخ بقوة، حتى إنَّ الروايات وصلتْ إلى أنَّ الشبح أمسكَ بعض الناس فأصابهم بنوع من المسِّ والجنون، دون ذِكْر اسم الممسوس أو المجنون.
ملاصقًا لبيت ‘أبو عثمان’ كان منزلنا الذي انتقلْنا إليه من منزلٍ كان قائمًا في حارة ‘الحمام’، سنأتي على ذِكْره فيما بعد، وقد كان يعتبرُ أفضلَ بيت في المخَيَّم، لا لأنه غير ملامس للفقر والحاجة، بل لأنه البيت الوحيد في ذلك الوقت الذي كانت غُرفه مسقوفة بالأسمنت، عدا المطبخ الذي كان سقفُه من الإسبست؛ وهذا لأن صاحبه الأصلي ويُدْعَى: ‘أبو جهاد’ كان يُرْسل بناته للخدمة في الكويت؛ مما جعلَه يتمتَّع بشيءٍ من الراحة الماديَّة قياسًا بأهل المخَيَّم، لكن هذه المتعة طوردتْ بقوَّة من الناس الذين حقَّروه بسبب إرساله بناته؛ كي يعْملْنَ خادمات في الكويت؛ مما دفعَه إلى ترْك المنزل والإقامة بالأردن.