نقوش على الجدار الحزين الصفحة 3 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

بعدَه مباشرة يقع منزل ‘دار البصبوص’، منزل فقير، يكسوه الصفيح والبؤسُ، ويُغَطِّيه الحِرْمان والبلاستيك، يجمع في داخله عائلة كبيرة مكوَّنة من مجموعة من العائلات الصغيرة، التي تَوحَّد شكلُها مع الصفيح والبلاستيك والبؤس والحِرْمان، حتى لتظن أنهم جزءٌ من الجدران أو الأسْقُف، ولكن بحركة، بعده منزل ‘أبو رصاص’، وهو منزل غريب التكوين والتهجين، فهو نازل إلى أعمق أعماق الفقر والفاقة، تلطِّخه الطحالب وتتكالب عليه الطفيليَّات، أبو رصاص لا يفارق الساحة الأماميَّة الترابيَّة التي تتوسطها عَرَبَةُ الحمير، والحشائش، وبعض الأغنام، تنبعثُ من البيت روائحُ مختلطة لا يمكن تمييزُها أو فرْزُها، لكنَّها مقشعرة للبدن، مستفزة للشمِّ، دافعة للتقيُّؤ.
بعده بأمتار يقع مسجد المخَيَّم، وهو العلامة الفارقة بكل تكوين المخَيَّم؛ إذ لم يكنْ هناك مسجد غيره بعد تنبعث منه روائحُ العطر والطيب، وتتخلله برودةٌ رائعة في فصل الصيف، على بوَّابته مَصْطبة صغيرة يجلس عليها الرجال لقضاء وقْتهم، المسجد ارتبطَ بشخصيَّتين؛ الإمام والمؤذِّن، الإمام الشيخ ‘حمدان’، رجلٌ طويل القامة، شديد بياض البشرة، جميل الطَّلْعَة، فيه هدوء متواصلٌ، لباسُه ينافس النظافة، رائع الترتيب، يكاد حدُّه يكون جارحًا من دِقَّة الكَي؛ بحُكْم عمل أولاده في كَيِّ الملابس للعائلات الثريَّة في ذلك الوقت، صوته يلامس شغاف القلوب أثناء التلاوة، لكنَّه معزول عن الناس، فهو لا يعرف غير الطريق ذاتها، من منزله إلى المسجد، وهي نفس طريق العودة، وهي الطريق التي عَرَفتْه حتى يوم مماته.
‘أبو حرب’ رجل طويل القامة، حنطي البشرة، عريض الجسد، واسع الصدر، حتى يبدو أنه من عالَمٍ يتصل بعالم العمَالِقة، فقير إلى حدِّ الشفقة، يمارس أكثر من عملٍ، يصل الليل بالنهار، والنهار بالليل؛ لتأمين قُوتِ أولاده، له رِجْلٌ صناعيَّة، تضامنت لِحْيَة متناثرة الشعر بفوضويَّة رسَمَتْ في روعنا أنه من عالمٍ غريب، صوته بالتحانين الرمضانيَّة يفجِّر الدمع من العيون، فهو المسحِّر الثاني مع أبي إسماعيل، ولو قُدِّرَ لأحدٍ أن يراهما معًا، لانفجرَ ضاحكًا دون إرادة منه؛ فأبو إسماعيل قصيرٌ إلى حدٍّ يبدو مع أبي حربٍ وكأنهما اجتمعا ليرسما عالَمَيْن: عالَم العمالِقة، وعالم الأقْزَام.
إلى الأمام منزل البلوطيَّة ‘عبد ربه’، وفُرنه الذي يعمل على الحطب، منزل يبدو قياسًا ببيوت المخَيَّم لا بأسَ به، لكنَّه يتميَّزُ بسلوك صاحبه الذي لم يعرف المسجد رغم قُرْبه منه، بانحناءةٍ صغيرة نحو اليسار تقع مجموعة من البيوت التي وإنْ كانت داخل بقعة المخَيَّم، إلا أنَّها تنظيميًّا تتبعُ المدينة، وهذا ما دَفَعَ أهلُها للاستعلاء على أهل المخَيَّم الذين كان يَنْظُر لهم أهلُ المدينة نظرةً فيها شَمَاتَة، كما بها ريبة وشك، لكنَّهم كانوا يتحاشون الوقوع في خطأ مع أهْل المخَيَّم؛ خوفًا من أن يُطحنوا بِرَحَى النظرة القادمة من المدينة، ورَحَى البؤسِ والفقر المتمكِّن من كلِّ شيءٍ في المخَيَّم وأهله.
إلى الأمام ‘دكان الصابر’، ولو كان هناك مُتَّسع من الوقت، لرويتُ عن شخصيَّته الأعاجيب، فهو غريب كالغرابة، ومُدْهِش كالدهشة، جُلُّ ما كان يعرفه في الحياة الطريق المؤدِّيَة لتجار المدينة والعودة، أما باقي حياته فقضاها بين ألواح الصفيح المتراصة لتشكِّلَ ما يُسمَّى بالبقالة، ملابسه رثَّة باليَة وقذرة إلى حدٍّ لا يُصَدَّق، وكانتْ زوجتُه تقضي كلَّ وقتها معه بنفس الظروف، حتى يبدو أنهما اتَّفقا على عدم الاقتراب من الماء لغَسْل ملابسهما، لهما حكايا، لو كان هناك مُتسع لها، لأمْسَكَ القارئُ معدته بيديه؛ حتى لا تطير من مكانها مِن شِدَّة الضحك.
إلى الأمام قليلاً مدخل إلى حارة ‘المطار’، وهي الحارة التي نُسِبَتْ إلى مَهبط الطائرات العموديَّة التي تنقلُ شخصيَّات المستعمرين حين يزورون مركز الجيش الرابض هناك، على اليمين من المدخل بيت ‘أبو سعد عميرة’، رغم كآبة منظره، إلا أنَّه حوى روائعَ مِن الأزهار والورود، وخليطًا من الأشجار المثمرة، وككل بيت فإنَّه لم يخلُ من دالية تتعربش على عريشة صُنِعَتْ خصِّيصًا من أجْلها، بيت جميل، يكشف عن تعلُّق الإنسان المهاجر بتراب موصول بالجذور، بالنماء، رغم هول المأْساة.
بعده مباشرة بيت ‘حمد’، وهو رجلٌ أسود البشرة، كثير الكلام، كثير الحركة، يتدخل فيما لا يعنيه، تزوَّج من امرأة بيضاء، أنجبتْ له مجموعة من البنات وولدًا واحدًا، حياتُه المثيرة للريبة والتساؤل أدَّتْ إلى مهاجمته من مجموعة النمور السود التي كانت تُصَفِّي عُملاء الاحتلال في المخَيَّم والمدينة والقرى المجاورة، منظر الهجوم خارقٌ للعادة، فقد ضُرِب بالشرخات والسواطير والبلطات في وسط شارع سوق الحراميَّة، وحين تيقَّنتِ المجموعة من استحالة عودته للحياة تركوه، نُقِلَ إلى مشفى المدينة، وكُتِبَتْ له حياة جديدة، ليستْ سويَّة، لكنَّها حياة بكلِّ حالٍ من الأحوال، نقلَه إخْوته فيما بعد إلى ألمانيا، وما زال هناك دون أن يُعْرَفَ عنه خبرٌ جديد، يليه بيت ‘أم عزات’، وهو بيت متميِّز بتوزيع خُضرته وأشجاره، خاصة شجرة الخروب الضَّخمة التي تفترشُ ‘أُم عزات’ وضيوفها أفياءها للغيبة والنميمة، والبكاء على الوطن المسلوب، والنواح على مربض الطفولة والشباب.
يليه منزل ‘أبو محمود الضميري’، وهو رجلٌ شديد الغرابة، شديد العُزْلة، لا يملك أطفالاً، يقيمُ مع زوجته وابنته العانس، تمتدُّ حاكورته بتناسق رائع، تتوزَّع أشجارُها بين الليمون والبرتقال والتين، وكثير من الورود المتنوعة اللون والزهر، لكن تبقَى الوحشةُ هي المكوِّن الرئيسي للعائلة، فهي متعاهدة مع الانطواء بطريقة تدفعُك للشكِّ في وجودهم داخل دائرة الحياة للمخَيَّم، تواصِل للأمام تجد منزل ‘أبو صالح القهوجي’، وهو من عائلة ‘أبو عصبة’، وهي عائلة يمنيَّة هجرتِ اليَمَن بعد ارتكاب جريمة قتْلٍ، ووصلتْ إلى فلسطين، وأقامتْ بقرية ‘صيدا’ قضاء ‘طول كرم’، ثم انتقلتْ إلى قرية ‘جت’، التي أصبحتْ بعد أوَّل احتلال لمنطقة من مناطق عام ثمانية وأربعين، وهو رجلٌ قصير، كريم العين، أنشأ حاكورة كغيره من الناس، لكنَّه بقي بعيدًا عن الحياة الاجتماعيَّة المتصلة بالمخَيَّم والمدينة.
انحراف إلى اليمين يقودُك إلى سلسلة من المنازل المتلاصقة، منزل ‘أبو عمر الدرهية’، مقابِله منزل ‘رجا الحامد’، الذي ذبحَ أُخْتَه ‘بهجة’ على صخرة قريبة من منزله، التفرُّع الواقع بين منزل ‘رجا الحامد’، و’أبو صالح القهوجي’ يقود إلى مجموعة من المنازل المتصلة ببعضها؛ منزل ‘أبو ياسر’، مقابِله منزل لامرأة مع ابنتها الوحيدة ‘فَدْوَى’، منزل صامت يديره الأُفُق نحو نزوات الناس وهَمْهَمَاتهم، في نهاية التفرُّع منزل لرجلٍ وزوجته، اسمه ‘مزين’، رجل رائع المحيا، تناوله الموت بغْتَةً، ومنزل ‘الجالولي’ الذي يُعتبرُ نهاية المخَيَّم من هذه الزاوية، وهو منزلٌ كبير، يضمُّ مجموعة من الأبقار والأغْنام التي تُطلقُ في ساحة الأرض التابعة للمطار للرَّعْي، صاحبه قصير القامة، وكذلك زوجته وأولاده لهم سحنة غريبة، مركَّبة بين النفور وبين البشاعة، اختلفتْ حياتهم وتداخلتْ، فكانتْ أقْرب للغَرابة في النتائج الأخيرة.