نقوش على الجدار الحزين الصفحة 2 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وإذا واصلْنا المسيرَ على نفْس الشارع، فإنَّ المدخلَ إلى المخَيَّم يكون من جِهة منزل الدكتور ‘عواد محمود عواد’، وبعدها بأمتار قليلة مدْخل من جِهة ‘دبة المشفى’، وهي دبة تستحقُّ أن يكتبَ عنها بعض الصفحات؛ لأنها شكَّلتْ علامة فارقة في توجُّهات الناس التي جعلتْ هذه الدبة تحمل بعض الصفات التي لم تخترْها أو توافق عليها، لكنَّها رغْم ذلك رسمتْ كميَّة كبيرة من المشاعر والأحاسيس والتوجُّهات لسُكَّان المدينة والمخَيَّم، فأصبحتْ كائنًا حيًّا يتنسَّمُ الوجودَ والحياة، حتى أنا الْتَصَقْتُ بذاكرتها من حيث أعلم في بعض القضايا، ومِن حيث لا أعلم في قضايا أخرى، وهذا سرٌّ من أسرار المكان الذي يستطيع أن يمشي ويتجوَّلَ، يقتحم ويتراجع، يهاجم ويتخلَّف، حتى نحسَّه مؤثِّرًا أكثرَ من تأثير الناس والحيوان.
بعدها نأتي لنتصلَ بالمدخل المتسرِّب من ثنايا المدينة، مدخل المشفَى الرئيسي الذي يضمُّ عند أمتاره الأولى غرفة ‘عزرائيل’، تلك الغرفة التي منحتِ المدخل هيْبة وسطْوة لم يتمكنْ من الحصول عليها أيُّ مدخل آخرَ، ولهذه الغرفة تأثيرٌ في المكان، في الزمان، في الناس، في الأحداث، في التركيبة الواعية وغير الواعية للعقْل الفردي والجمعي، تأثيرًا لم تتمكَّن المدينة أو المخَيَّم من ردِّه أو التخلُّص منه أو مِن وساوسه وهواجسه، رغم كلِّ محاولاتها المستميتة في الركض للتخلُّص من تلك التأثيرات، لكن الغرفة - المكان، كانت متمسِّكة ببقائها، بحيويَّتها ونشاطها ووجودها بين الناس ككائن يُحْكِمُ سيطرته ويدفقُ هَيْبته برحمِ المؤثِّرات والتوتُّرات النابضة بالتشكُّل اليومي واللحْظي لكلِّ الأشياء المتفرِّقة، وهي غرفة تستحق أيضًا الكتابة عنها، ورُبَّما يكون هناك ضرورة يدفعها السياق لنكتبَ عنها وعن جغرافية المكان الزماني الخاص بها.
بعدها علينا الدوران من قلب المدينة، أو السير عكسًا من مدخل المشفى، لنصلَ إلى مدخل المخيَّم الرئيسي، وهو المدخل المتلاحِم مع مبنى جيش الاستعمار البريطاني الذي تحوَّل إلى استعمار صِهْيَوني، ثم ليتحوَّل إلى مَقرٍّ للسلطة الفلسطينيَّة قبل أن تهوي الطائرات الصِّهْيَونيَّة عليه في الانتفاضة الثانية، ليتحوَّل إلى طَللٍ، وليعاد استنساخُه من جديد بشكلٍ جديد ليبقَى مَقَرًّا للسلطة الفلسطينيَّة.
هذا المدخل - بتلك البناية التي أسَّسها الاستعمار البريطاني - يُمكن العودة إلى جغرافيته وجغرافية المبْنَى؛ لنخْرِجَ ذاكرتهما المكانيَّة - الزمنيَّة فنكتب، وماذا نكتب؟ أشياءَ وأشياءَ، لو عُرِضَتْ على الرُّضَّع لشابوا، وعلى الراسيات لسُمِعَ صوتُ تداعيها وانهيارها، وعلى المحيطات لغاصتْ غرقًا، وعلى المجهول والغامض، لاخْتارَا كشفَ مجهولهما وغامضهما، لكنَّنا قد لا نضطر في هذه القصة الكتابة عن كلِّ ذلك، إلاَّ إذا دفعتْنا الذاكرة رغمًا عنَّا للكتابة؛ لصقًا لذاكرة المكان - الزمن.
لكننا من هذا المدخل سنبدأ، حيث التقاء الزمان بالمكان يتوحَّد بالمبنى الاستعماري، الذي كان السببُ الرئيس في تكوين البقعة الجغرافيَّة المسمَّاة: ‘مُخَيَّم طول كرم’، وهو توافُق شديد الغَرابة، يثير الدهشة ويستفز الخيالَ، فالالتقاء الثلاثي بين المبنى والمكان والزمان؛ أي: الاستعمار والتشرُّد واللجوء، يضع العقل أمامَ خصوصيَّة تكوِّن الأشياء وتلاصقها وتوحِّدها في مضمار مُعَيَّن، لتشكِّلَ فيما بعد مَعْلمًا جغرافيًّا يمتدُّ أصلُه من استبداد بريطانيا ورعايتها للَّقيط الجديد، على حساب الشعب المنتزع من جغرافيا، ليهاجر إلى جغرافيا أخرى تلتصقُ بمبنى الاستعمار ذاته، ليكونَ وليدًا مختلطًا من جغرافيا متنوعة فوق بقعة واحدة عليها أن تهضمَ كلَّ هذا الخليط وذاك التنوع بشكلٍ مباشر، كلُّ هذا يؤهِّل المدخل هذا ليكونَ بوَّابةَ دخولِنا إلى تفاصيل المخَيَّم.
على رأْس المدخل تبرز القوى الفاعلة والخفيَّة في ترتيب الأشياء والمسمَّيَات والأمْكِنَة، فعلى اليمين من رأْس المدخل ينتصبُ بيتٌ جميل بحاكورة كبيرة ممتدَّة تضمُّ العديدَ من الأشجار والأزهار، يتنافر مع المبنى الاستعماري تنافرًا تامًّا، فهو منزلُ الشهيد ‘عبدالرحيم الحاج محمد’ الذي كان يقاتل إلى جانب الثُّوَّار في الأرض الممتدة حتى أعماق فلسطين، وهو صديق الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود، الذي رثَاه بقصيدة رائعة، ومن ثَمَّ رثَى نفسَه بقصيدة كانت تشكِّل ملامحَ شهادته.
هذا البيت يواجه - وبشكلٍ موازٍ - المبنى الاستعماري، وكأنَّ المكان كان حاضرًا ليضعَ الدلالات المتوازية التي لا تلتقي بين الاستعمار وبين النضال، ولتضع المخَيَّم بين فكرتين مركزيَّتين على الأرض: الاستسلام والمقاومة، أو هي التساؤل الرابض بين الْمَعْلَمين، لمن ستكون النهاية؟
على اليسار مباشرة ‘دار النصار’ الملاصقة لحدِّ المبنى الاستعماري ملاصقة تامَّة، وهي أول دار في المخَيَّم، والتي ستلتحمُ مع منزل الشهيد حين تقدِّمُ أبناءَها وبناتها للنضال، فالسجن، فالشهادة، ونحن سنواصل رحلتنا من ‘دار النصار’ نزولاً من الجهة اليُسرى للداخل إلى المخَيَّم، وستكون عودتنا من الجِهة المقابِلة، وفي الحالتين سنتفرَّع إلى الحارات الممتدة في أحشاء المخَيَّم.
بعد دار النصار مباشرة يقع منزلٌ غريب، غالبًا ما كان مهجورًا، اشتراه فيما بعد الهوجي، وسكنَه إنسان بسيط اسمه: ‘عاطف الشلبي’، الذي شكَّلت حياتُه مجموعة من التناقُضات، حتى كان اليوم الذي وُجِدَ فيه مَيِّتًا في ظروف غامضة، فهناك مَن ادَّعى أنه قُتِلَ، وهناك من زَعَم أنه وَقَعَ على صخرة شجَّت رأسَه، أمَّا الحقيقة فلم يهتمّ بها المخَيَّم، أو أهل الميِّت، أو حتى الشرطة وأجهزة الأمن؛ مما دفَعَ إلى الاعتقاد أن هناك أمرًا خفيًّا في مَوْتِه، يتجاوز حدود الناس والأهل.