نقوش على الجدار الحزين الصفحة 1 من 22

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

قارئي العزيز:
ليس من أسلوب القصة أو الرواية أنْ يخاطبَ القاصُّ أو الراوي قارئه مخاطبة مباشرة، لكنني بنوعٍ من التمرُّد على السياق وعلى النهْج المتواتِر سأخاطبك اليوم بشكلٍ مباشر، وكلُّ هذا الخطاب سيكون مكوِّنًا من مكونات القصة، وليس مقدمة قبل البداية، ولن أخاطبَك باسم الراوي الذي يجول بين السطور، بل سأخاطبك أنا الكاتب الذي يكتب بشكلٍ مباشر، نازعًا أيَّ ظلٍّ للراوي من كلِّ مكونات القصة، لأبقَى أنا وأنت في مواجهة؛ نتحمَّل الوصفَ، ونندمج في الصور، وننصهر في الشوارع والممرَّات والأزقَّة والبيوت والبقالات والدكاكين، بكلِّ اختلافاتها وتفرُّعاتها؛ حتى نصلَ إلى قصة ترسم المكان بذاكرة مستبيحة كل التفاصيل؛ من أجْل إرساء نوعٍ من الأدب يتواصل مع المكان بما فيه من أسرار وخَبايا، مِن تشكيلات ماديَّة تُخْفي في داخلها حياة الجَماد التي ننفي وجودَها وتأثيرها على شخصيتنا ونفسيَّتنا وتركيبتنا الموزَّعة بين الناس والأشياء، بين الأحياء والجَماد، بين الإحساس بما نعرف، والشعور الغامض بما لا نعرف؛ حتى نستطيعَ الوفاء للمكان بنفس القدْرِ الذي كنَّا أوفياء للإنسان.
اعْلم مُسبقًا أنه أدبٌ من نوع جديد، أو على أقلِّ تقدير هذا ما أدَّعيه أنا، ولي الحقُّ المطلق في هذا الادِّعاء؛ لأنه أدبٌ يرتبط بالجغرافيا المتحرِّكة التي تمشي معنا، تسامرنا، تختلط بأحلامنا وأمانينا، تمتزج بفرحنا وحُزننا، ببُؤْسنا وفقْرنا، هي الجغرافيا التي تبعثُ من مرقد الأرض لتشكِّل ذاكرة المكان، المكان الملاحق لأنفاسنا، حين كنَّا رُضَّعًا، وحين حبونا، وحين أصبحنا نسابق المسافات ونطوي المساحات، المكان الذي تغلغلَ بأعماق رُوحنا، فأوْقفنا على محطَّات من الزمن، كانت تنتظرُ وعينا لنمزجها فيه، فيتكوَّن زمان المكان، ومكان الزمان.
وأنني بجُرْأة أستطيع أن أصِفَ الماضي الزماني والمكاني بأنه الحاضر الممتد بخاصرة الوجود إلى اللحظة التي نحياها؛ أي إنه هو الوجود المتحرِّك بين أيدينا، وأستطيع أن أقولَ وبنفْس الجُرْأة: إن الحاضر المكاني والزماني هو المستقبل الذي ينمو بين أعطافنا ووجودنا؛ ليشكِّلَ صورةَ الوجود المتصل بالماضي والحاضر؛ أي إنه الوجود المتفاعل بأيدينا والمتحرِّك ليكوِّنَ المستقبل، وحتى المستقبل الذي نرى بعضَ تشكُّله بين أيدينا، ويخفي بعضَ تشكُّله عنَّا، فإنه أيضًا يخضع لذاكرة المكان التي تستدعي الزمن للاتصال بها؛ ليتكوَّن الوجود بصورته الثلاثيَّة: الماضي، الحاضر، المستقبل.
وهذه القصة، وُجِدتْ - عزيزي القارئ - بنوعٍ جديد من الأدب؛ لترصُدَ ‘مُخَيَّم طول كرم’ المكان بذاكرته التي استدعتِ الزمن؛ لتشكِّل جغرافيا متحرِّكة لها عليّ حقُّ الوفاء لذاكرة مكانها بنفْس القدْرِ الذي حَوَتْني وأهلي وناسي وشعبي بين دَفَّتَيْها؛ دفَّة المكان، ودَفَّة الزمان، فلا أقلَّ من حقِّي عليك ككاتب أن تقفَ لتعرفَ المكان بصورته الجغرافيَّة القادمة مِن برق فِكْرة؛ لتصبحَ وجودًا أدبيًّا يخفقُ بالتدفُّق والحياة والنَّمَاء.
هو ‘مُخَيَّم طول كرم’ لم يكنْ موجودًا بذاكرة المكان، وكذلك لم يسْتَدع الزمن من مَكْمَنه ليرتبطَ بهذا المسمَّى، كانت الأرض كلُّها تابعة ‘لطول كرم’، المدينة الممتدة من الساحل إلى أعماق المدن الأخرى، وكانت تغزوها البيارات الممتدة في السهول، والزيتون المتجذِّر في الجبال والسفوح، والرُّبَا والقِمم، وكان اللوز والدراق، والخوخ والمشمش يحتضن الأرض وتحتضنه الأرض، كانتْ مساحات من الذهب المتوهج تمتدُّ في السهول، وأحيانًا تتسلَّق أقدام الجبال سهولٌ من القمح المتألِّق المتوهِّج، وكانت الحيوانات بجميع أنواعها تذرع المسافات والمساحات، الضِّباع والكلاب وابن آوى، وكانتْ بعضُ الذئاب، وكان الدجاجُ والحمير والبغال، والخيول والجِمَال، وكانت الطيور تمتدُّ أمام أشِعَّة الشمس كرفوفٍ متلاصقة، فتخفي عين الشمس، وكانت الأفاعي والعقارب والقطط تتنازع البقاءَ والوجود، كانت الأرض - المكان قد تواصلتْ مع الزمن لتغذيه بمتطلَّبات كينونته وبقائه، فكانت التسمية: ‘طول كرم’ التسمية المتفجِّرة من الْتحام المكان مع الزمان مع كروم العنب التي تتواصلُ وتتواصل، حتى يبدو للعين أنها مُتصلة باللانهاية، كروم من عنب يقطرُ حلاوة، يتلألأ كألماسٍ منثور بين أهداب الزمان، ورموش المكان، حتى يبدو وكأنه يمنحُ الشمسَ توهُّجَها وبريقها وألقها من هذه الكروم الممعنة في النضوج المكاني والزماني لنواتها، كان الاسم الذي يصفُ طول تلك الكروم الممتدة إلى اللانهاية، فكانتْ ‘طول كرم’.
لم تكنْ تلك البقاع الممتدة الرحبة تعرفُ من خبايا القادم ما سيجعلها تستدعي الزمان من امتداداته، ليلتحمَ مع جغرافيا جديدة ستشكِّل مَعلمًا صغيرًا لا يتجاوز بمساحته كيلو متر واحد، سيضمُّ خليطًا من البشر، من الحيوانات، من الطيور، من الأشجار والأزهار والورود، من الأشياء التي ستفرز مساحات الكيلو متر؛ لتكوِّنَ الإفرازات نقاط معرفة تُعْرفُ الزوايا الجغرافيَّة فيها بأسماء تتصل بها، فتكوِّن هناك طرقًا وحاراتٍ ومواقعَ، كلَّها جاءت من رَحِم غيبٍ كان يستعدُّ لتشكيل جغرافيا تحمل اسْمًا سيمتدُّ بالذاكرة الشخصيَّة والجمعيَّة، والعربيَّة والإسلاميَّة والعالميَّة، ليتوحَّدَ مع مسمَّيَات مشابهة، كانت تربض كلُّها على نفْس بُؤْرة التوتُّر الزماني بانتظار لحظة الانفجار الكوني الكبير، لحظة ولادة منطقة جديدة في الكون تُدْعَى: ‘مُخَيَّم طول كرم’.
المساحة كيلو متر واحد، يضمُّ مساحة تحتضنها سبعة مداخل متفرِّقة، المدخل الملتقي مع الطريق الواصل إلى قرية ‘ذنابة’، حيث مضخة مياه بيارة ‘حنون’ المتفرِّع منه طريق يؤدِّي إلى مجموعة مداخل تلتقي وتتفرَّع، فهي تلتقي مع مدخل ‘عزبة الجراد’، وتمتدُّ لتلتقي مع مدخل ‘عزبة ناصر’، ومع مدخل مدينة ‘طول كرم’ مِن ذيل الحارة الشرقيَّة، ويمتدُّ الطريق ليتوجَّه إلى قرية ‘فرعون’، ومنه تفرُّعٌ يقود إلى قرية ‘أرتاح’، ومع مدخل للمدينة مرة أخرى إلى الطريق الموصِّلة إلى التربية والتعليم.
يمتدُّ المدخل ليلتقي مع مدخل آخرَ إلى قرية ‘ذنابة’ يتقاطع مع مدخل للمخَيَّم من طرف حارة ‘البلاونة’، ويمتدُّ الشارع ليصلَ إلى الشارع الرئيسي الواصل بين المدينة ومدينة ‘نابلس’، فإذا ما انحرفتَ يسارًا، فإنَّ الشارع سيقودُك إلى مدخل ثالثٍ حيث مضخة مياه بيارة ‘أبو حمد الله’ التي تتصالبُ تمامًا مع مدْخل المخَيَّم من جِهة مدارس وكالة ‘غوث اللاجئين’، وإذا انطلقْنا للأمام دون أن ندخلَ المخَيَّم فسنجد مدخلاً آخرَ من جهة سوق الدواب المتصل بمدارس البنات، والذي حلَّ محلَّه اليومَ مدرسةٌ صناعيَّة باسم مدرسة ‘طول كرم’، وهذا الاسم تمَّ تغييرُه أكثرَ من مَرَّة بطريقة دراميَّة تثيرُ التساؤل والعجبَ، وتطرح مجموعة من الأسئلة المتعلِّقة بالمكان المتحوِّل بين اسم واسم، لكننا لن نطاردَ هذا الاسم الآن؛ فإن له مكانًا يمكن مطاردته مِن خلاله.