نقد في ميزان النقد الصفحة 1 من 8

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

اجل إن مهمة الناقد الغربلة. لكنها ليست غربلة الناس. بل غربلة ما يدونه قسم من الناس من أفكار وشعور وميول. وما يدونه الناس من الأفكار والشعور والميول هو ما تعودنا ان ندعوه أدبا. فمهمة الناقد، إذن، هي غربلة الآثار الأدبية، لا غربلة أصحابها. وإذا كان من الكتاب أو الشعراء من لا يفصل بين أثاره الأدبية التي يجعلها تراثا للجميع وبين فرديته التي لا تتعداه ودائرة محصورة من أقربائه وأصحابه فذاك الكاتب أو ذاك الشاعر لم ينضج بعد. وليس أهلا لان يسمى كاتبا أو شاعرا. كذلك الناقد الذي لا يميز بين شخصية المنقود وبين أثاره الكتابية ليس أهلا لان يكون من حاملي الغربال أو الدائنين بدينه.

ان شخصية الكاتب أو الشاعر هي قدسه الأقدس. فله ان يأكل ويشرب ويلبس ما شاء ومتى شاء. له ان يعيش ملاكا، وله ان يعيش شيطانا. فهو أولى بنفسه من سواه. غير انه ساعة يأخذ القلم ويكتب، أو يعلو المنبر ويخطب، وساعة يودع ما كتبه وما فاه به كتابا أو صحيفة ليقرأه كل من شاء، ساعتئذ يكون كمن سلخ جانبا من شخصيته وعرضه على الناس قائلا: ’ هو ذا يا ناس، فكر تفحصوه. ففيه لكم نور وهداية، وهاكم عاطفة احتضنوها فهي جميلة وثمينة’. وإذ ذاك يسوغ لي ان احك فكره بمحك فكري، وان أستجهر عاطفته بمجهر عاطفتي، وبعبارة أخرى، ان أضع ما قاله لي في غربالي لأفصل قمحه عن زؤانه واحساكه، فذاك حق لي كما ان من حقه ان يكتب ويخطب’.

بهذه الكلمات يبدأ ميخائيل نعيمه كتابه الغربال، محاولا ان يضع مفهوما جديدا للنقد وعلاقته بالأدب والأديب، مفهوم يقضي بفصل الشخصية الأدبية عن مادة الأدب حين يكون الأدب محلا للنقد، لان الكاتب شيء، والكتابة شيء اخر، لا تجمعهما رابطة غير رابطة القلم والورقة، فما ينتجه الشاعر ليس بالضرورة انه جزء من الأجزاء المتممة لشخصيته وتكوينه الخلقي والنفسي والفكري، وانما هو جزء يتم انفصاله عن الشخصية في حال إتمامه وإخراجه للناس.

وهذه الحقيقة ليست جديدة، وليس ميخائيل الوحيد الذي نادى بها كما حاول ان يوضح لنا حين قال:( ما كنت لاهتم بتبيان هذه الحقيقة البسيطة لولا ان الكثيرين من كتاب العربية وقرائها لا يزالون يرون في النقد ضربا من الحرب بين الناقد والمنقود. فإذا قال الناقد في قصيدة ما لشاعر ما إنها قصيدة تافهة فكأنه قال للشاعر نفسه ’ أنت رجل تافه’. وإذا فحص كتابا لكاتب فوجده ناقصا من وجوه كثيرة فكأنه صاح من أعالي السطوح ان ذاك الكاتب ’ رجل ناقص’ ).

قلنا ان هذه الفكرة ليست جديدة، وليس هو أول من نادى بها. وانما هي مط وإرخاء لحزام قاعدة من قواعد الأدب في أوروبا تقول بضرورة وجوب كون الفن للفن ذاته، وهو إذ ينقل هذه الجملة بأسلوبه الخاص يذكر من حيث لا يدري انه نقلها عن أوروبا حيث يقول: ’ لولا ان الكثيرين من كتاب العربية’. فقط، وليس غير العربية، ولم يقل ذلك إلا لعلمه بانتشار هذه القاعدة انتشارا تاما في أوروبا.

فما الذي يريد ميخائيل من كتاب العربية؟ تقليد الغرب!! نعم، وهذا ما يقرره في موضع اخر بعد ان يبين اختلاف العرب بعملية التأثر بالغرب فيقول: ’ أما نحن فنرى الأفضل أن نقف على الحياد - من عملية التأثر بالغرب – بين أولئك وهؤلاء، تاركين لهم حق تسوية خلافهم بالمدى والفؤوس إذا أرادوا، بشرط ان لا يعارضونا إذا تجاسرنا ان نعترف ولو بفضل واحد للغرب – وهو فضل آدابه على آدابنا’.