من قصص عبدالباقي يوسف الصفحة 7 من 34

بواسطة:

عندما وصلت إلى مكتب قطع التذاكر وقلت له بأنني أريد تذكرة إلى دمشق في رحلة الساعة الثانية عشرة ليلا التي ستنطلق بعد نصف ساعة ، قال قاطع التذاكر وهو يطلب هويتي الشخصية : يبدو بأنك محظوظ ، بقي مقعد واحد .

ناولته بطاقتي الشخصية مع قيمة التذكرة وقلت : إذن احجزه لي ، إنها الرحلة الوحيدة التي تناسبني ، لأنها تصل دمشق في الثامنة صباحا .

وضعت التذكرة في جيبي وجلست على كرسي في الكراج إلى أن دخل الباص القادم من القامشلي ليأخذ معه ركاب الحسكة في هذه الرحلة .

اندفع حشد من الركاب نحو الباص فور وقوفه جوار المكتب ، ونهضت في لحظات لأنضم إلى هذا الحشد الصغير وكأننا عائلة واحدة سوف تمضي ليلة واحدة معا في هذه الرحلة .

مددت الخطوات نحو مقعدي فرأيت شخصا قرويا يرتدي فروة سوداء ضخمة يسبقني بلحظات ويبرك في ذات المقعد المجوز ناحية النافذة فعرفت حينها بأنه جليسي في هذا المقعد . بركت حده وأنا ألقي عليه السلام ، وألقي نظرة إليه لعل بي معرفة سابقة به ، فأجاب الرجل على سلامي بشكل موجز قائلا : وعليكم السلام يابن أخي . إنه رجل في نحو الستين من عمره ، يرتدي على رأسه شماغا أحمر اللون . بعد هنيهات من جلوسي اندفعت إلي رائحة كريهة من الفروة الضخمة التي يرتديها ، فمددتُ يدي إلى أنفي وأدرت وجهي اتقاء الرائحة ، عندها صدر صوت من الرجل وهو يجيب من تلقاء نفسه على سلامي سلامي للمرة الثانية : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أهلا ، أهلا بك ، إنها فرصة جيدة لنتعارف . قلت : أهلا وسهلا ياعم . فصوب الرجل نظرة عميقة إلي حتى بدا لي بأننا على معرفة سابقة دون أن أنتبه ، فأدرت وجهي أبادله النظر دون أن أذكر بأنني أعرف هذا الرجل وفي لحظات سريعة أعدت استدارة وجهي وأنا أكاد أختنق من قوة الرائحة التي اندفعت إلي . لكن لبثت أنظاره معلقة بي إلى أن انطلق الباص وتقدم المضيف يناولنا كاسات ماء فارغة ، عندها بادرني الرجل بالسؤال عن اسمي ، فأجبته ، ويبدو بأن جوابي شجعه ليسألني عن عملي ثم عن العائلة التي أنتمي إليها ، ثم عن مكان سكني ، وعن سني ، ووضعي العائلي ، وكلما يسألني سؤالا أجيبه دون أن أنظر إليه متحاشيا قوة الرائحة التي تفوح منه

. ثم قال وهو يبدي رغبته الشديدة في تدخين سيجارة ويدين القرار الذي يمنع تدخين السجائر في الحافلات العامة : أما أنا إذا سألتني عن اسمي ، أقول لك أنهم يقولون لي : درباس ، ولكن اسمي في الهوية عبا س ، وليت اسمي كان في الهوية أيضا درباس لأنني أحب هذا الاسم أكثر من عباس ، بل أن من يريد أن يستفزني في القرية يقول : ياعباس ، فأنهض وأتشاجر معه لأنني أشعر بأنه أراد أن ينقص من شأني . وإذا سألتني عن عملي ، أقول لك بأنني مذ فتحت عيني على الحياة وجدت نفسي بين الأبقار ، كان أبي يربي الأبقار ، وعندما كبرت ورثت عنه هذه المهنة التي تعلقت بها ولتعلم بأن أكثر ما يحزنني عندما أسافر هو أنني أبتعد عن رائحة أبقاري وأظنها هي أيضا تكون حزينة عندما تفتقد رائحتي . ثم ابتسم قليلا ومد يده إلى بعض ثيابه تحت الفروة الضخمة التي تفوح منها كل تلك الرائحة الكريهة وأخرج كيسا بلاستيكيا أسود اللون ، وبدأ يفك الكيس ليظهر فيه كم من روث الأبقار ، فقلت له أن يحكم الكيس ويعيده إلى مكانه ، قال وهو يعيد ربط فم الكيس : قبل أن أستلقي علىالفراش لأنام في الفندق أفتح هذا الكيس وأضعه بجانب رأسي حتى أستطيع النوم . وإن اشتقت لأبقاري- ومد يده إلى إحدى جيوبه الداخلية أخرج صورة ملونة لعدة أبقار قائلا - : أنظر إلى هذه الصورة وأضعها جوار الكيس ولا أدري بنفسي إلا وقد غرت في نوم عميق . فنظرت إليه مرة أخرى وأنا أقاوم الرائحة التي بدت تسبب لي ألما شديدا في الرأس بعد نحو ساعة ونصف من انطلاق الباص الذي سيمضي الليل كله إلى أن يصل دمشق ، فقال وفمه يمتلئ ببسمة طفيفة : مرة واحدة سافرت وقد نسيت أن أصطحب معي هذا الكيس ، أمضيت ثلاثة أيام دون أن أغفو دقيقة واحدة ، كنت أبحث في الشام عن بقرة واحدة لأنظر فيها ، وأبحث عن قليل من روث الأبقار لأضعه في كيس وأحمله في جيبي دون جدوى ، وكأن الأبقار كلها ماتت لاسمح الله ، وفجأة وضع كفه على رأسي قائلا : أليس هذا إخلاصا مني لأبقاري ، أبقاري التي تقيني الحاجة ، أستلحفك بالله وقد وضعتُ يدي على رأسك هل أنا على خطأ أم على صواب ، لاتصمت ، قلأ لي ، أليست هذه الأبقار هي رزقي ورزق عيالي ، نسيتُ أن أقول لك بأن لي تسعة أولاد من زوجتين . صمت قليلا وهو يدين مرة أخرى القرار الذي يمنع التدخين في الحافلات ، لكنه مد يده إلى إحدى جيوبه الداخلية الكثيرة مرة أخرى وأخرج علبة تبغ وضع سيجارة في فمه دون أن يشعلها ثم قال : أجل سأقول لك قبل أن أنسى فعندما عدت إلى البيت أول شيء فعلته قبل أن أدخل على عيالي اتجهت إلى الخان ، وبركت بين الأبقار فلحقتني أم العيال ولحقني الأولاد إلى هناك ، وبعد ساعتين خرجت وقد استردت عافيتي قليلا ثم أمضيت ستة أيام أنام فيها في الخان بين أبقاري حتى أعوض ما فاتني من رائحة . وعاد مرة أخرى يضع كفه على رأسي قائلا : أستحلفك بالله وقد وضعت يدي على رأسك هل أنا على خطأ بسبب حبي لأبقاري ، أليست هي التي تقيني وتقي عيالي الحاجة والسؤال ، قل ، لاتصمت ، هل أنا على خطأ . فلم أجد بدا من أن أقول : لاياسيدي لست على خطأ ، بارك الله بقوتك .

أغمضت عيني في محاولة للنوم علـّي أنسى قليلا هذا الجحيم الذي رأيتني مرغما للبقاء فيه . راودتني أفكار عديدة مثل أن أوقف الباص وأنزل ، ولكن الوقت المتأخر من الليل منعي وكذلك شدة البرد القارس ونحن في بدايات شهر شباط .

وجاءني صوته بعد لحظات صمت : هل نمت ، يارجل أنا أكبرك بثلاثين سنة ولم أنم ، دعنا نتكلم إنها فرصتنا الوحيدة لنتعارف . فتحت عيني وقلت : لا لا لستُ نائما ، قل ماتشاء ، أسمعك جيدا . جاء صوته : مرة أراد أخي أن يتزوج ولم يكن لديه المهر فطاب مني أن أبيع أبقاري وأعطيه ثمنها ليتزوج ، فقلت له بأنني حتى لو كنتُ على وشك الموت وعلمت أن بيع أبقاري سينقذني من الموت حتى أتعالج بثمنها ، فلن أقدم على ذلك لأنني لاأتصور أن أكون في البيت بدون أبقار ، وعندها سأمضي ثلاثة أيام في الخان الفارغ من الأبقار وأقضي نحبي كربا على ذهاب أبقاري . فخاصمني أخي من يومها ولم يعد يدخل بيتي ، وعاد مرة أخرى يضع يده على رأسي قائلا : أستحلفك بالله وقد وضعت يدي على رأسك هل كنت على خطأ لأنني لم أبع أبقاري حتى يتزوج بثمنها ، وإن جعت وجاع أولادي هل كان أخي سيعطينا طعاما وإن أعطانا شهرا أو شهرين هل كا ن سيعطينا مدى الحياة ، قل ، استحلفتك بالله أن تقول ، وبدأ ت نبرات صوته تتصاعد : لاتصمت ، هل كنت على خطأ ، هل من حقه أن يخاصمني ولايدخل بيتي منذ خمس سنوات وحتى الآن ، ثم أنه يقول للناس بأن درباس ليس أخي ولا أعرفه وأنا بريء منه إلى يوم القيامة ، قل ، هل معه حق في كل هذا . فقلت وأنا أحاول أن أهدئ من روعه : لا ليس معه حق وأنت على صواب . فهدأته هذه العبارة ثم أخذ ينفث في السيجارة الغير مشتعلة ويهدا شيئا فشيئا .

عندما وصلنا أول استراحة خطر لي أن أستبدل الباص بباص آخر ، عندها وأنا أنهض للنزول أمسك درباس بيدي ونهض معي قائلا بأن أبقى ممسكا بيده لأنه لايرى ليلا بسبب مرض العمش الذي في عينيه ، طلب مني أن أوصله إلى المرحاض ، وقبل ذلك أشعل سيجارة لدى الخطوة الأولى للنزول من الباص وبدأ يدخن بشراهة إلى أن أدخلته إلى المرحاض ، دخل وهو يوصيني ألا أتحرك لأنه سوف يبقى ولايعرف كيف يعود إلى الباص . عندذاك وجدتها فرصة لأسأل سائق باص كان يقف في ذات الاستراحة ويتجه إلى دمشق عن وجود مقعد شاغر ، ولكنني الرجل اعتذر وهو ينظر إلي نظرات مريبة بسبب رغبتي لتغيير الباص ، ورأيته يتجه على الفور إلى سائق الباص الذي فيه مقعدي ويهمس إليه . بعد قليل اتجه السائق إلى الهاتف وأجرى اتصالا ، تذكرت أمر رفيقي في المرحاض وذهبت لأراه يقف بجانب باب المرحاض المفتوح يدخن بشراهة وهو يناديني ، فأمسكت بيده وقدته إلى صالة الاستراحة ليشرب كأسا من الشاي . شعرنا جميعا بتأخر انطلاق الباص عندما مضت ساعة دون أن ننطلق ، فبدأنا نسأل عن السبب ، قال السائق بأن عطلا ما قد حدث ، وقد اتصل بالشركة التي سترسل له بعد قليل معلم ميكانيك ليصلح العطل . بعد قليل حضرت دورية مسلحة من الشرطة فأشار السائق إلي ، أمرني أحدهم أن أرفع يدي بعد أن طلب من جميع الركاب الابتعاد ، وعندها لم يتردد درباس أيضا أن يرفع يديه معي ، تقدموا إلي وصاروا يفتشونني بدقة شديدة ، وبعد ذلك فتشوا درباس ووقعوا على ذاك الكيس . قال أحدهم : هذا ما نبحث عنه ياسيدي . عندها لم يتردد درباس من أن يقول : خذوا كل شيء إلا هذا الكيس . ثم قادونا إلى الباص وهم يشيرون للركاب بالابتعاد ما أمكن ، طلبوا أن أرشدهم على حقيبتي ، وفتشوها قطعة قطعة ، ثم فتشوا حقيبة درباس فوجدوا كيسا مماثلا للذي وجدوه بحوزته فقال درباس بأنه كيس الاحتياط . قال أحدهم : نعرف جيدا بأنه كيس الاحتياط .

طلبت الدورية من السائق أن ينطلق بالركاب ويكمل الرحلة بعدأن صعدنا إلى سيارة الدورية مع أمتعتنا إلى حيث المخفر ، هناك أبقونا حتى الصباح إلى أن أجروا كشفا مخبريا على الكيسين وقدموا لنا اعتذارا عن سوء الفهم هذا الذي دافعه الحرص على حياة الناس ، وأعادوا لنا أمتعتنا وأعادوا لدرباس الكيسين بعد أن أصر على إعادتهما إليه لأنه لايستطيع أن يتحرك خطوة واحدة بدونهما ، ثم قال رئيس الدورية بأنه أقسم على ألا نخسر شيئا لنكمل الرحلة فقد اتصل لحجز مقعدين وسوف يصل باص بعد قليل إلى ذات الاستراحة التي تم أخذنا منها . قال بأننا كما ركبنا معا في ذاك الباص سوف نكمل الرحلة معا في الباص الجديد . عنئذ تذكرت بأنني سوف أكون في مقعد واحد مع درباس فقلت : أرجو أن تتركوني وشأني ، أما درباس فلا علاقة لي به ، فقال درباس: إما أن نكمل معا الرحلة أو نعود معا إلى الحسكة . ومرة أخرى رأيتني مرغما للجلوس في مقعد واحد مع درباس وتحمل كل تلك الرائحة الكريهة . أخذتنا سيارة المخفر إلى الاستراحة ، في الطريق وقع عيني على محل لبيع العطور ، أوقفتُ السائق بجانب المحل ، ابتعت علبة عطر وانطلقنا إلى الاستراحة لنجد الباص واقفا بانتظارنا ، وضعنا أمتعتنا وقبل أن نصعد أخرجتُ علبة العطر وبدأت أبخها على فروة درباس حتى فرغت . قال درباس وهو يتقزز من رائحة العطر ويلمس الكيس تحت فروته : لكن لايهم مادمت أحمل هذا الكيس تحت فروتي .