مختصر زاد المعاذ الصفحة 9 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل في هدية e في زيارة المريض كان يعود من مرض من أصحابه ، وعاد غلاماً كان يخدمه من أهل الكتاب وعاد عمه وهو مشرك ، وعرض عليهما الإسلام فأسلم اليهودى . وكان يدنو من المريض ، ويجلس عنه رأسه ويسأله عن حالة ، وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ، ويقول : 'اللهم رب الناس ، أذهب البأس ، واشف أنت الشافى لا شفاء لا يغادر سقماً ' . وكان يدعو للمريض ثلاثاً ، كما قال : ' اللهم اشف سعداً ' ثلاثا ، وكان إذا دخل على المريض يقول : ' لا بأس ، طهور إن شاء الله ' وربما قال : 'كفارة وطهور' . وكان يرقى من كان به قرحة أو جرح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول : 'بسم الله تربة أرضنا بريقه يعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا ' . وهذا فى الصحيحين ' وهو يبطل اللفظة التى جاءت فى حديث السبعين ألفاً ' لا يرقون' وهو غلط من الراوى . ولم يكن من هديه أن يخص يوماً بالعيادة ، ولا وقتاً ، بل شرع لأمته عيادة المريض ليلاً ونهاراً . وكان يعود من الرمد وغيره ، وكان أحياناً يضع يده على جبهة المريض ، ثم يمسح صدره وبطنه ، ويقول : ' اللهم اشفه' . وكان يمسح وجهه أيضاً ، إذا أيس من المريض قال : 'إنا لله وإنا إليه راجعون ' . وكان هديه فى الجنائز أكمل هدى مخالفاً لهدى سائر الأمم مشتملاً على الإحسان إلى الميت وإلى أهله وأقاربه ، وعلى إقامة عبودية الحى فيما يعامل به الميت ، فكان من هديه إقامة عبودية الرب تعالى على أكمل الأحوال ، وتجهيز الميت إلى الله تعالى على أحسن الأحوال ، ووقوفه وأصحابه صفوفاً يحمدون الله ، ويستغفرون له ، ثم يمشى بين يديه إلى أن يودعوه حفرته ، ثم يقول هو وأصحابه على قبره سائلين له الثبات ، ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره ، والسلام عليه ، والدعاء له . فأول ذلك تعاهده فى مرضه ، وتذكيره الآخرة ، وأمره بالوصية والتوبة ، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله ، لتكون آخر كلامه ، ثم نهى عن عادة الأمم التى لا تؤمن بالبعث من لطم الخدود ، ورفع الصوت بالندب والنياحة ، وتوابع ذلك . وسن الخشوع للموت ، والبكاء الذى لا صوت معه ، وحزن القلب ، وكان يفعله ويقول : ' تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا يقول إلا ما يرضى الرب ' وسن لأمته الحم والاسترجاع والرضا عن الله . وكان من هديه الإسراع بتجهيز الميت إلى الله ، وتطهيره وتنظيفه ، وتطييبه ، وتكفينه فى ثياب البياض ، ثم يؤتى به إليه ، فيصلى عليه بعد أن كان يدعى له عند احتضاره ، فيقيم عنده حتى يقضى ، ثم يحضر تجهيزه ، ويصلى عليه ، ويشيعه إلى قبره ، ثم رأى أصحابه أن ذلك يشق عليه ، فكانوا يجهزون ميتهم ، ثم يحملونه غليه ، فيصلى عليه خارج المسجد ، وربما كان يصلى أحيانا عليه فى المسجد ، كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه فيه . وكان من هديه تغطية وجه الميت إذا مات وبدنه ، وتغميض عينيه وكان ربما يقبل الميت ، كما قبل عثمان بن مظعون وبكى . وكان يأمر بغسل الميت ثلاثاً أو خمساً أو أكثر ما يراه الغاسل ، ويأمر بالكافور فى الغسله الأخيرة . وكان لا يغسل الشهيد قتيل المعركة ، وكان ينزع عنهم الجلود والحديد ، ويدفنهم فى ثيابهم ، ولم يصل عليهم ، وأمر أن يغسل المحرم بماء وسدر ويكفن فى ثوبى إحرامه ، ونهمة عن نطييبه ، وتغطية رأسه ، وكان يأمر من ولى الميت أن يحسن كفنه ، ويكفنه فى البياض ، وينهى عن المغالاة فى الكفن ، وإذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه ، وجعل على رجليه شيئاً من العشب . وكان إذا قدم إليه ميت سأل : هل عليه دين ؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه ، وإن كان عليه دين ، لم يصل عليه ، وأمر أصحابه أن يصلوا عليه ، فإن صلاته شفاعة ، وشفاعته موجبة ، والعبد مرتهن بدينه لا يدخل الجنة حتى يقضى عنه ، فلما فتح الله عليه كان يصلى على المدين ، ويتحمل دينه ، ويدع ماله لورثته . فإذا أخذ فى الصلاة عليه ، كبر ، وحمد الله ، وأثنى عليه . وصلى ابن عباس على جنازة ، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بالفاتحة ، وجهر بها وقال : لتعلموا أنها سنه . قال شيخنا لا تحب قراءتها ، بل هى سنة . وذكر أو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم فيها . وروى يحيى بن سعيد الأنصارى ، عن سعيد المقبرى ، عن أبى هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن صلاة الجنازة ، فقال : أنا والله أخبرك ، تبدأ فتكبر ، ثم تصل على النبى صلى الله عليه وسلم ، وتقول : اللهم إن عبدك فلاناً كان لا يشرك بك ، وأنت أعلم به ، وإن كان محسناً فزد فى إحسانه ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده . ومقصود الصلاة عليه الدعاء ، ولذلك حفظ عنه ، ونقل من الدعاء ما لم ينقل من قراءة الفاتحة ، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، وحفظ من دعائه : ' اللهم إن فلان ابن فلان ذمتك ، وحبل جوارك ، فقه فتنة القبر ، وعذاب النار ، وأنت أهل الوفاء ، والحق ، فاغفر له ، وارحمه إنك أنت الغفور الرحم ' . وحفظ من دعائه أيضاً : ' اللهم أنت يربها ، وأنت خلقتها ، وأنت رزقتها ، وأنت هديتها للإسلام ، وأنت قبضت روحها ، تعلم سرها وعلانيتها ، جئنا فاغفر لها ' وكان يأمر بإخلاص الدعاء للميت . وكان يكبر أربع تكبيرات ، وصح عنه أنه كبر خمساً ، وكان الصحابة يكبرون أربعاً وخمساً وستاً ، قال علقمة : قلت لعبد الله : إن ناساً من أصحاب معاذ قدموا من الشام ، فكبروا على ميت لهم خمساً ، فقال : ليس على الميت فى التكبير وقت ، كبر ما كبر الإمام ، فإذا انصرف الإمام فانصرف . قيل للإمام أحمد : أتعرف عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمتين على الجنازة ؟ قال : لا ، ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه ، فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة . وأما رفع اليدين فقال الشافعى : ترفع للأثر ، والقياس على السنة فى الصلاة ، ويريد بالأثر ما روى عن ابن عمر وأنس أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبرا على الجنازة ، وكان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر ، فصلى مرة على قبر بعد ليلة ، ومرة بعد ثلاث ، ومرة بعد شهر ، ولم يوقت فى ذلك وقتاً ، ومنع منها مالك إلا للولى إذا كان غائباً . وكان يقول عند رأس الرجل ، ووسط المرأة ، وكان يصلى على الطفل ، وكان لا يصلى على من قتل نفسه ، ولا على من غل من الغنيمة ، واختلف عنه فى الصلاة على المقتول حداً كالزانى . فصح نه أنه صلى على الجهينة التى رجمها ، واختلف فى ماعز ، فإما أن يقال : لا تعارض بين ألفاظه ، فإن الصلاة فيه هى الدعاء ، وترك الصلاة عليه تركها على جنازته تأديباً وتحذيراً . وأما أن يقال : إذا تعارضت ألفاظه عدل عنها إلى الحديث الآخر . وكان إذا صلى عليه تبعه إلى المقابر ماشياً أمامه ، وسن للراكب أن يكون وراءها ، وإن كان ماشياً يكون قريباً منها ، إما خلفها ، او أمامها ، أو عن يمينها ، او عن شمالها . وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرملون بها رملاً ، وكان يمشى إذا تبعها ، ويقول : ' لم أكن لأركب والملائكة يمشون ' فإذا انصرف فربما ركب . وكان لا يجلس حتى توضع ، قال : ' إذا تبعتم الجنازو فلا تجلسوا حتى توضع ' . ولم يكن من هديه الصلاة على ميت غائب ، وصح عنه أنه صلى على النجاشى صلاته على الميت ، وتركه سنة ، كما أن فعله سنة ، فإذا كان الغائب مات ببلد لم يصل عليه فيه ، صلى عليه ، فإن النجاشى مات بين الكفار . وصح عنه أنه أمر بالقيام للجنازة لما مرت به ، وصح عنه أنه قعد ، فقيل : القيام منسوخ . وقيل : الأمران جائزان ، وفعله بيان للإستحباب وتركه بيان للجواز . وهذا أولى. وكان من هديه أن لا يدفن الميت عند طلوع الشمس ، ولا عند غروبها ولا حين قيامها . وكان من هدبه اللحد ، وتعميق القبر ، وتوسيعه من عبند رأس الميت ورجليه ، ويذكر عنه أنه إذا وضع الميت فى القبر قال : 'بسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ' وفى رواية : ' بسم الله ، وفى سبيل الله ، وعلى ملة رسول الله ' . ويذكر عنه أنه يحثو على الميت إذا دفن من قبل رأسه ثلاثاً وكان إذا فرغ من دفن الميت ، قام على قبره هو وأصحابه ، وسأل له التثبيت ، وأمرهم بذلك . ولم يكن يجلس يقرأ على القبر ولا يلقن الميت ، ولم يكن من هديه تعلية القبور ، ولا بناؤها ، ولا تطيينها ، ولا بناء القباب عليها ، وقد بعث على بن أبى طالب أن لا يدع تمثالاً إلا طمسه . ولا قبراً مشرفاً إلا سواه ، فسنته تسوية هذه القبور المشرفة كلها . ونهى أن يجصص القبر ، وأن يبنى عليه ، وأن يكتب عليه ، وكان يعلم من أراد أن يعرف قبره بصخرة ، ونهى عن اتخاذ القبول مساجد ، وإبقاء السرج عليها ، ولعن فاعله ، ونهى عن الصلاة إليها ، ونهى أن يتخذ قبره عيداً . وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ ، ويجلس عليها ، ويتكأ عليها ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد وأعياداً وأوثاناً . وكان يزور قبور أصحابه للدعاء لهم ، والاستغفار لهم ، وهذه هى الزيادة التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا : ' السلام عليكم أهل الدار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون ، نسأل الله لنا ولكم العافية ' . وكان يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به ، وسؤاله الحوائج ، والاستعانة به ، والتوجه إليه عكس هديه صلى الله عليه وسلم فإنه هدى توحيد وإحسان إلى الميت . وكان من هديه تعزية أهل الميت ، ولم يكن من هديه أن يجتمع ويقرأ له القرآن ، لا عند القبر ، ولا غيره . وكان من هديه أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس ، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاماً ، وكان من هديه ترك نعى الميت ، بل كان ينهى عنه ، ويقول : 'هو من عمل أهل الجاهلية ' . فصل في هدية e في صلاة الخوف أرباح الله له قصر أركان الصلاة وعددها إذ ا اجتمع الخوف والسفر ، وقصر العدد وحده إذا كان سفراً لا هوف معه ، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوفاً لا سفر معه ، وبهذا تعلم الحكمة فى تقييد القصر فى الآية بالضرب فى الأرض والخوف . وكان من هديه فى صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن يصف المسلمين خلفه صفين ، فيكبر ويكبرون جميعاً ، ثم يركعون ويرفعون جميعاً ، ثم يسجد أول الصف يليه خاصة ، ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو ، فإذا نهض للثانية سجد الصف المؤخر سجدتين ، ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول ، وتأخر الصف الأول مكانهم ، لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفين ، وليدرك الصف الثانى منه السجدتين فى الصانية ، وهذا غاية العدل ، فإذا ركغ صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين ، ولحقوه فى التشهد فسلم بهم جميعا . وإن كان العدو فى غير جهة القبلة فإنه تارة يجعلهم فرقتين : فرقة بإزاء العدو ، وفرقة تصلى معه ، فتصلى معه أحدى الفرقتين ركعة ، ثم تنصرف فى صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى ، وتجئ الأخرى إلى مكان هذه ، فتصلى معه الركعة الثانية ، ثم يسلم / وتقضى كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام ، وتارة يصلى بإحدى الطائفيتن ركعة ، ثم يقوم إلى الثانية ، وتقضى هى ركعة وهو واقف ، وتسلم قبل ركوعه وتأتى الطائفة الأخرى ، فتصلى معه الركعة الثانية ، فإذا جلس فى التشهد قامت ، فقضت ركعة وهو ينتظرها فى التشهد ، فإذا تشهدت ، سلم بهم . وتارة كان يصلى بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم ، وتأتى الأخرى فيصلى بهم ركعتين ويسلم بهم ، وتارة كان يصلى بإحدى الطائفتين ركعة ، ثم تذهب ولا تقضى شيئاً ، وتجئ الأخرى ، فيصلى بهم ركعة ولا تقضى شيئاً ، فيكون له ركعتان ، ولهم ركعة ركعة ، وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها . قال أحمد : ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة . وظاهر هذا أنه جوز أن تصلى كل طائفة معه ركعة ، ولا تقضى شيئاً ، وهذا مذهب جابر وابن عباس ، وطاوس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والحكم ، وإسحاق . وقد روى فيها صفات أخرى رجع كلها إلى هذه ، وقد ذكرها بعضهم عشراً ، وذكرها ابن حزم نحو خمسة عشر صفة ، والصحيح ما ذكرنا وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة فى قصة ، جعلو ذلك وجوهاً من فعل النبى صلى الله عليه وسلم . فصل في هدية e في الزكاة كان هديه صلى الله عليه وسلم فيها أكمل هدى فى وقتها وقدرها ونصابها ، ومن تحب عليه ، ومصرفها ، قد راعى فيها مصلحة أرباب الأمور ، ومصلحة المساكين ، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه ، وقيد النعمة بها على الأغنياء ، فما زالت النعمة بالمال عن من أدى زكاته ، بل يحفظه عليه وينميه . ثم إنه جعلها فى أربعة أصناف من المال وهى أكثر الأموال دوراً بين الخلق ، وحاجتهم غليها ضرورية . أحدها : الزرع والثمار . والثانى : بهيمة الأنعام ، الأبل والبقر والغنم . الثالث : الجوهران اللذان بهما قوام العالم ، وهما الذهب والفضة . الرابع : أموال التجارة على اختلاف أنواعها . ثم إنه أوجبها فى كل عام ، وجعل حول الثمار والزرع عند كمالهما واستولئهما ، وهذا أعدل ما يكون ، إذ وجوبها كل شهر أو جمعة مما يضر بأرباب الأموال ، ووجوبها فى العمرة مرة مما يضر بالمساكين . ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب السعى فى التحصيل ، فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعاً محصلا وهو الركاز ، ولم يعتبر له حولاً ، وأوجب نصفه وهو العشر فيما كان مشقة تحصيله فوق ذلك ، وذلك فى الثمار والزروع التى يباشر حرثها ، ويتولى الله سقيها بلا كلفة من العيد ، وأوجب نصف العشر فيما يتولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح ونحوهما ، وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفاً على عمل متصل من رب المال ، متتابع بالضرب فى الأرض تارة ، وبالإدارة تارة ، وبالتربص تارة . ثم إنه لما كان لا يحتمل كل مال المواساة ، جعل المال الذى تحتمله المواساة نصباً مقدرة المواساة فيها ، لا تجحف بأرباب الأموال ، وتقع موقعها من المساكين ، فجعل للورق مائتى درهم ، وللذهب عشرين مثقالاً ، وللحبوب والثمار خمسة أوسق وهى خمسة أحمال من أحمال إبل العرب وللغنم أربعين ، شاو وللبقر ثلاثين ، وللإبل خمساً ، لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسه ، أوجب فيه شاة . فإذا تكررت الخمس خمس مرات ، وصارت خمساً وعشرين ، احتمل نصابها واحداً منها ، ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب فى الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها من ابن مخاض وبنت مخاض ، وفوقه ابن لبون وبينت لبون ، وفوقه الحق والحقة ، وفوقه الجذع والجذعة ، وكلما كثرت الإبل زاد السن إلى أن يصل السن إلى منتهاه ، فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب فى مقابلة زيادات عدد المال ، فاقتضت حكمته أن جعل فى الأموال قدراً يحتمل المواساة ، ولا يجحف بها ، ويكفى المساكين ، فوقع الظلم من الطائفتين ، الغنى بمنعه ما أوجب عليه ، والآخذ بأخذه ما لا يستحقه ، فتولد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين . والله سبحانه تولى قسمة الصدقة بنفسه ، وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان . أحدهما : من يأخذ لحاجة ، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها ، وكثرتها وقلتها ، وهم الفقراء والمساكين ، وفى الرقاب ، وابن السبيل . والثانى : من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها ، والمؤلفة قلوبهم ، والغارمون لإصلاح ذات البين ، والغزاة فى سبيل الله ، فإن لم يكن الآخذ محتاجاً ، ولا منفعة فيه للمسلمين ، فلا سهم له فى الزكاة .