مختصر زاد المعاذ الصفحة 7 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه ، وتخصيصه بخصائص منها : أنه يقرأ فى فجره بـ (آلـم) السجدة و(هل آتى على الانسان ) فإنهما تضمنتا ما كان وما يكون فى يومها . ومنها : استحباب كثرة الصلاة فيه على النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى ليلته ، لأن كل خير نالته فى الدنيا والآخرة ، فعلى يديه ، وأعظم كرامة تحصل لهم يوم الجمعة: فإن فيه بعثهم إلى منازلهم فى الجنة ، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوها ، وقربهم من ربهم يوم المزيد ، وسبقهم إلى الزيادة بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة ، وتبكيرهم إليها . ومنها : الاغتسال فى يومها ، وهو أمر مؤكد جدا ، ووجوبه أقوى من وجوب الوضوء من مس الذكر ، والرعاف ، والقيئ ، ووجوب الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم فى التشهد الأخير . ومنها : الطيب والسواك ، ولها مزيد فيه على غيره ، ومنها : التكبير ، والاشتغال بذكر الله تعالى ، والصلاة إلى خروج الإمام . ومنها : الإنصات للخطبة وجوباً . ومنها : قراءة (الجمعة) و(المنافقين) أو (سبح) و(الغاشية) . ومنها : أن يلبس فيه أحسن ثيابه ، ومنها : أن للماشى إليها بكل خطوة علم سنة ، أجر صيامها وقيامها . ومنها : أنه يكفر السيئات . ومنها : ساعة الاجابة . وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحمرت عيناه ، وعلا صوته واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . وكان يقول فى خطبته : 'أما بعد' ، ويقصر الخطبة ، ويطيل الصلاة ، وكان يعلم أصحابه فى خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ، ويأمرهم وينهاهم فى خطبته إذا عرض له أمر ، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلى ركعتين ، إذا رأى بهم ذا فاقة من حاجة ، أمرهم بالصدقة ، وحضهم عليها . وكان يشير فى خطبته بإصبعه السبابة عند ذكر الله ودعائه . وكان يستسقى إذا قحط المطر فى خطبته ، ويخرج إذا اجتموا ، فإذا دخل المسجد ، سلم عليهم ، فإذا صعد المنبر ، استقبلهم بوجهه ، وسلم عليهم ثم يجلس ، ويأخذ بلال فى الأذان ، فإذا فرغ ، قام وخطب ، ويعتمد على قوس أو عصا ، وكان منبره ثلاثث درجات ، وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع ، ولم يوضع المنبر فى وسط المسجد ، بل فى جانبه الغربى ، بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة ، وكان إذا جلس عليه فى غير الجمعة ، أو خطب قائما يوم الجمعة ، استدار أصحابه إليه بوجوههم ، وكان يقوم فيخطب ، ثم يجلس جلسة خفيفة ، ثم يقوم فيخطب الثانية ، فإذا فرغ منها أخذ بلال فى الإقامة . وكان يأمر بالدنو منه والإنصات ، ويخبر أن الرجل إذا قال لصاحبه : أنصت . فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له . وكان إذا صلى الجمعة دخل منزله ، فصلى ركعتين سنتها ، وأمر من صلاها أن يصلى بعدها أربعاً . قال شيخنا : إذا صلى فى المسجد صلى أربعاً ، وإن صلى فى بيته صلى ركعتين . فصل وكان يصلى العيدين فى المصلى ، وهو الذى على باب المدينة الشرقى ، الذى يوضع فيه محمل الحاج ، ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة أصابهم مطر – إن ثبت الحديث – وهو فى 'سنن أبى داود' . وكان يلبس أجمل ثيابه ، ويأكل فى عيد الفطر قبل خروجه تمرات ، ويأكلهن وتراً ، وأما فى الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى ، فيأكل أضحيته ، وكان يغتسل للعيد – إن صح – وفيه حديثان ضعيفان ، لكن ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة . وكان يخرج ماشياً والعنزة تحمل بين يديه ، فإذا وصل نصبت ليصلى إليها ، فإن المصلى لم يكن فيه بناء ، وكان يؤخر صلاة عيد الفطر ، ويعجل الأضحى . وكان عمر من شدة اتباعه للسنة ، لا يخرج حتى تطلع الشمس ، ويكبر من بيته إلى المصلى . وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى ، أخذ فى الصلاة ، بغير أذان ولا إقامه ، ولا قول : ' الصلاة جامعة ' ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى ، لا قبلها ولا عها . وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، فيصلى ركعتين ، يكبر فى الأولى سبعاً متوالية بتكبيرة الإحرام ، يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة ، ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ، ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه قال : يحمد الله ، ويثنى عليه ، ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم . وكان ابن عمر يرفع يديه مع كل تكبيرة . وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبيرة أخذ فى القراءة ، فقرأ فى الأولى الفاتحة ، ثم (ق) ، وفى الثانية (أقتربت) وربما قرأ فيهما بـ(سبح) و(الغاشية) ولم يصح عنه غير ذلك فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ، ثم يكبر فى الثانية خمساً متوالية ، ثم أخذ فى القراءة ، فإذا انصرف ، قام مقابل الناس وهم جلوس على صفوفهم ، فيعظهم ويأمرهم وينهاهم ، وإذا كان يريد أن يقطع بعثاً قطعة ، أو يأمر بشئ أمر به ، ولم يكن هناك منبر ، وإنما كان يخطب على الأرض . وأما قوله فى حديث فى 'الصحيحين ' : ثم نزل فأتى النساء . إلى آخره ، فعله كان يقوم على مكان مرتفع . وأما منبر المدينة ، فأول من اخرجه مروان بن الحكم ، فأنكر عليه ، وأما منبر اللبن والطين ، فأول من بناه كثير بن الصلت فى إمارة مروان على المدينة . ورخص النبى صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة ، وأن يذهب ، ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجترئوا بصلاة العيد عن الجمعة ، وكان يخالف الطريق يوم العيد . وروى أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق : 'الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ' . فصل ولكا كسفت الشمس ، خرج إلى المسجد مسرعاً فزعاً يجر رداءه ، وكان كسوفها فى أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها ، فتقدم فصلى ركعتين ، قرأ فى الأولى بالفاتحة وسورة طويلة ، وجهر بالقراءة ، ثم ركع ، فأطال الركوع ، ثم رفع ، فأطال القيام وهو دون القيام الأول ، وقال لما رفع رأسه من الركوع : ' سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ' ثم أخذ فى القراءة ، ثم ركع فأطال الركوع ، وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ، فأطال السجود ، ثم فعل فى الأخرى مثل ما فعل فى الأولى ، فاستكمل فى الركعتين أربع ركوعات ، وأربع سجدات . ورأى فى صلاته تلك الجنة والنار ، وهم أن يأخذ عنقوداً من الجنة ، فيريهم إياه ، ورأى أهل العذاب فى النار ، فرأى امرأة تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت جوعاً وعطشاً ، ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءه فى النار ، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب ، ثم انصرف فخطب خطبة بليغة ، فروى الإمام أحمد أنه لما سلم حمد الله وأثنى عليه ، وشهد أن لا غله إلا الله ، وشهد أنه عبده ورسوله ثم قال : 'أيها الناس أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أنى قصرت عن شئ من تبليغ رسالات ربى لما أخبرتمونى ذلك' ؟ فقام رجال ، فقالوا : نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ، ونصحت لأمتك ، وقضيت الذى عليك . ثم قال : 'أما بعد ، فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس ، وكسوف هذا القمر ، وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض ، وإنهم قد كذبوا ، ولكنها آيات من آيات الله تبارك وتعالى ، يعتبر بها عباده ، فينظر من يحدث له منهم توبة ، وايم الله لقد رأيت منذ قمت ما أنتم لا قوه من أمر دنياكم وآخرتكم ، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً ، آخرهم الأعور الدجال ، ممسوح العين اليسرى ، كأنها عين أبى تحيى - لشيخ حينئذ من الأنصار ، بينه وبين حجرة عائشة – وأنه متى يخرج ، فسوف يزعم أنه الله ، فمن آمن به وصدقه واتبعه ، لم ينفعه صالح من عمله سلف ، ومن كفر به وكذبه ، لم يعاقب بسيئ من عمله سلف ، وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس ، وإنه يحصر المؤنين فى بيت المقدس ، فيزلزلون زلزالاً شديداً ، ثم يهلكه الله عز وجل وجنوده ، حتى إن جذم الحائط أو قال : اصل الحائط ، أو أصل الشجرة لينادى : يا مؤمن يا مسلم هذا يهودى – أو قال : هذا كافر – فتعال فاقتله . قال : ولن يكون ذلك حتى تروا أموراً يتفاقم شأنها فى أنفسكم وتسألون بينكم : هل كان نبيكم ذكر لك منها ذكراً ؟ وحتى تزول جبال عن مراتبها ، ثم على أثر ذلك القبض ' . وقد روى عنه أنه صلاها كل ركعة بثلاث ركوعات ، أو أربع ركوعات ، أو كل ركعة بركوع واحد ، ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك ويرونه غلطاً . وأمر فى الكسوف بذكر الله ، والصلاة ، والدعاء ، والاستغفار ، والصدقة ، والعتاقة . فصل وثبت عنه أنه استسقى على وجوه . أحدها : يوم الجمعة لى المنبر فى أثناء الخطبة . الثانى : أنه وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى المصلى ، فخرج لما طلعت الشمس متواضعاً متبدلا متخشعاً متوسلا متضرعا ، فلما وافى المصلى صعد المنبر – إن صح ففى القلب منه شئ – فحمد الله واثنى عليه ، وكبره ، وكان مما حفظ من خطبته ودعائه: ' الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، لا إليه إلا الله يفعل ما يريد ، اللهم انت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد ، الله أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغنى ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا ، وبلاغا إلى حين ' ثم رفع يديه وأخذ فى التضرع والابتهال والدعاء ، وبالغ فى الربع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة ، وحول إذ ذاك رداءه ، وهو مستقبل القبلة ، فجعل الأيمن على ايسر وعكسه ، وكان الرداء خميصه سوداء ، وأخذ فى الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك ، ثم نزل فصلى بهم ركعتين كالعيد من غير نداء ، قرأ فى الأولى بعد الفاتحة بـ (سبح) وفى الثانية بـ (الغاشية) . الثالث : أنه استسقى على منبر المدينة فى غير الجمعة ، ولم يحفظ عنه فيه صلاة. الرابع : أنه استسقى وهو جالس فى المسجد رفع يديه ، ودعا الله عز وجل . الخامس : أنه استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء وهو خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم : 'باب السلام ' نحو قذفة حجر ، منعطف عن يمين الخارج من المسجد . السادس : أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء ، فأصاب المسلمين العطش ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعض المنافقين : لو كان نبياً لا ستسقى لقومه ، كما استسقى موسى لقومه . فبلغه ذلك ، فقال : ' أوقد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم ' ثم بسط يديه فدعا ، فما رد يديه حتى أظلم السحاب ، وأمطروا وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة . واستسقى مرة ، فقال أبو لبابة ، فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد . فقال : ' اللهم اسقنا حتى يقول أبو لبابة عرياناً ، فيسد ثعلب مربده بإزاره ' فأمطرت فاجتمعوا إلى أبى لبابة . فقال : إنها لن تقلع حتى تقوم عرياناً ، فتسد ثعلب مربدك بإزارك . ففعل ، فأقلعت السماء ،ولما كثر سألوه الإستصحاء ، فاستصحى لهم وقال : 'اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الظراب ، والآكام والجبال ، وبطون الأودية ، ومنابت الشجر ' . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال : ' صيباً نافعاً ' ويحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر ، فسئل عن ذلك فقال : ' لأنه حديث عهد بربه ' . قال الشافعي : أخبرني من لا أتهم ، عن يزيد بن الهام ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل ، قال : 'اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً ، فتتطهر منه ، ونحمد الله عليه ' وأخبرني من لا أتهم ، عن إسحاق بن عبد الله ، أن عمر كان إذا سال السيل ذهب بأصحابه إليه ، وقال : ما كان ليجيئ من مجيئه أحد إلا تمسحنا به وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح عرف ذلك فى وجهه فأقبل وادبر فإذا امطرت سرع عنها وكان يخشى أن يكون فيه العذاب .