مختصر زاد المعاذ الصفحة 5 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ علة عشر ركعات في الحضر دائما وهى التي قال فيها ابن عمر : حفظت عن رسول صلى الله عليه وسلم عشر ركعات : ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء في بيته ، وركعتين قبل صلاة الفجر . ولما فاتته الركعتان بعد الظهر ، قضاهما في وقت النهى بعد العصر ، وكان يصلى أحيانا قبل الظهر أربعا ، وأما الركعتان قبل المغرب ، فصح عنه أنه قال : 'صلوا قبل المغرب ركعتين ' وقال في الثالثة : ' لمن شاء' كراهة أن يتخذها الناس سنة ، وهذا هو الصواب ، أنها مستجة ، وليست بسنة راتبه . وكان يصلى عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته لا سيما سنة المغرب ، فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد ألبته ، وله فعلها في المسجد ، وكان محافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ، وكذلك لم يكن يدعها هي والوتر ، ولا حضرا ولا سفرا ، ولم ينقل عنه أنه صلى في السفر سنة راتبة غيرهما . وقد اختلف الفقهاء أيهما أكد ؟ وسنة الفجر تجرى بداية العمل ، والوتر خاتمته ، ولذلك كان يصليهما بسورتي (الإخلاص) وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل ، وتوحيد المعرفة والإرادة ، وتوحيد الاعتماد والقصد ، فـ (قل هو الله احد ) متضمنة لا يجب إثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه ، ونفى الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته ، ونفى الكفء المتضمن لنفى الشبيه والمثيل والنظير ، فتضمن إثبات كل كمال ، ونفى كل نقص ، ونفى كل نقص ، ونفى إثبات شبيه له أو مثيل في كماله ، ونفى مطلق الشرك ، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن ، فإن مداره على الخبر والإنشاء ، والإنشاء ثلاثة : أمر ، ونهى ، وإباحة . والخبر نوعان : خبر عن الخالق تعالى ، واسمائه ، وصفاته ، وأحكامه ، وخبر عن خلقه . فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه ، وعن أسمائه وصفاته ، فعدلت ثلث القرآن ، وخلصت قارئها من الشرك العلمي كما خلصته سورة (قل يا آيها الكافرون ) من الشرك العملي ، ولما كان العلم قبل العمل هو وهو إمامه وسائقه ، والحاكم عليه كانت (قل هو الله احد) تعدل ثلث القرآن ، (وقل يا آيها الكافرون) تعدل ربع القرآن . ولما كان الشرك العملي أغلب على النفوس لمتابعة الهوى ، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته ، وقلعه منها أشد من قلع الشرك العملي ، لأنه يزول بالحجة ، ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه ، جاء التأكيد والتكرير في (قل يا آيها الكافرون ) ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الطواف ، لأن الحج شعار التوحيد ، ويفتح بهما عمل النهار ، ويحتم بهما عمل الليل . وكان يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن ، وقد غلا فيها طائفتان ، فأوجبها من أهل الظاهر ، وكرهها جماعة ، وسموها بدعة ، وتوسط فيها مالك وغيره ، فلم يروا بها بأساً لمن فعلها راحة ، وكرهوها لمن فعلها استناناً . فصل في هديه e في قيام الليل لم يكن صلى الله عليه وسلم يدع صلاة الليل حضراً ولا سفراً ، وإذا غلبه نوم أو وجع ، صلى من النهار أثنى عشرة ركعة ، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى ، لفوات محله ، كتحية المسجد ، والكسوف ، والاستقاء ، لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وتراً . وكان قيامه بالليل إحدى عشرة ركعة ، أو ثلاثة عشرة ركعة ، حصل الاتفاق على إحدى عشرة ركعة ، واختلف في الركعتين الأخيرتين ، هل هما ركعتا الفجر ، أم غيرهما ؟ . فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض ، والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها ، جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار ، أربعين ركعة ، كان يحافظ عليها دائما ، وما زاد على ذلك فغير راتب . فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما إلى الممات ، فما أسرع الإجابة ، وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة ، والله المستعان . وكان إذا استيقظ من الليل قال : 'لا إليه إلا أنت سبحانك الله استغفرك لذنبي ، وأسألك رحمتك ، الله زدني علماً ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدك رحمة إنك أنت الوهاب ' . وكان إذا انتبه من نومه قال : ' الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ' . ثم يتسوك ، وربما قرأ عشر الآيات من آخر سورة (آل عمران ) من قوله : (إن من خلق السموات والأرض) ثم يتظهر ، ثم يصلى ركعتين خفيفتين ، وأمر بذلك في حديث أبى هريرة ، وكان يقوم إذا انتصف الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل ، وكان يقطع ورده تارة ، ويصله تارة ، وهو الأكثر ، فتقطيعه كما قال ابن عباس : إنه بعد ما صلى ركعتين انصرف ، فنام ، فعل ذلك ثلاث مرات في ست ركعات ، كل ذلك يستاك ويتوضأ ثم أوتر ثلاثة . وكان وتره أنواعا ، منها : هذا ، ومنها : أن يصلى ثماني ركعات يسلم بعد كل ركعتين ، ثم يوتر بخمس سراداً متواليات ، لا يجلس إلا في آخرهن ، ومنها ، تسع ركعات يسرد منهم ثمانيا ، لا يجلس إلا في الثامنة ، يجلس فيذكر الله ، ويحمده ، ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يصلى التاسعة ، ثم يقعد فيتشهد ويسلم ، ثم يصلى بعدها ركعتين بعد ما يسلم . ومنها أن يصلى سعاً ، كالتسع المذكورة ، ثم يصلى بعدها ركعتين جالساً . ومنها : أن يصلى مثنى مثنى ، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن ، فهذا رواه أحمد ، عن عائشة ، أنه : كان يوتر بثلاث لا فصل فيهن . وفيه نظر ، ففي 'صحصح ابن حبان' عن أبى هريرة مرفوعاً : ' لا توتروا بثلاث ، أوتروا بخمس أو سبع ، ولا تشبهوا بصلاة المغر ب ' قال الدار قطنى : وإسناده كلهم ثقاب . قال حرب : سئل احمد عن الوتر ؟ قال : يسلم في الركعتين ، وإن لم يسلم ، رجوت ألا يضره ، إلا أن التسليم أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال في رواية أبى طالب : أكثر الحديث وأقواه ركعة ، فأنا أذهب إليها . ومنها ما رواه النسائي ، عن حذيفة أنه : صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة رمضان فركع فقال في ركوعه : ' سبحان ربى العظيم ' مثلما كان قائماً ، الحديث . وفيه : فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال بدعه إلى الغداة أوتر أول الليل ووسطه واخره وقام ليلة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . ' المائدة : 118' . وكان صلاته بالليل ثلاثة أنواع : إحداها : وهو اكثرها صلاته قائما . الثاني : أنه كان يصلى قاعدا . الثالث : أنه كان يقرأ قاعداً ، فإذا بقى يسير من قراءته قام فركع قائماً ، وثبت عنه أنه كان يصلى ركعتين بعد الوتر جالسا تارة ، وتارة يقرأ فيهما جالسا ، فإذا أراد أن يركع قام فركع . وقد اشكل هذا على كثير وظنه معارضا لقوله : ' اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وترا ' قال احمد : لا افعله ولا امنع من فعله ، قال : وانكره مالك . والصواب أن الوتر عبادة مستقلة . فتجري الركعتان بعده مجري سنة المغرب من المغرب ، فهما تكميل للوتر. ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر إلا في حديث رواه ابن ماجه ، قال أحمد : ليس يروي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ ولكن كان عمر يقنت من السنة إلي السنة. وروي أهل ' السنن ' حديث الحسن بن علي وقال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي انتهي ، والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر وأبي ، وابن مسعود . وذكر أبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يقرأ في الوتر بـ ( سبح اسم ربك الأعلى) و( قل يا أيها الكافرون ) و( قل هو الله أحد) فإذا سلم قال: ' سبحان الملك القدوس' ثلاث مرات يمد صوته في الثالثة ويرفع. وكان صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، والمقصود من القرآن تدبره وتفهمه ، والعمل به. وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه ، كما قال بعض السلف : أنزل القرآن ليعمل به ، فاتخذوا تلاوته عملاً . قال شعبه: حدثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عباس : اني رجل سريع القراءة ، فربما قرأت القرآن في الليلة مرة أو مرتين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن أقرأ سورة واحدة ، اعجب غلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل ، فإن كنت فاعلا لابد ، فاقرأ قراءة تسمع اذنك ، ويعيه قلبك. وقال إبراهيم : قرأ علقمة علي عبد الله ، فقال : رتل فداك أبى وأمي ، فأنه زين القرآن . وقال عبدا لله: لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر ، ولا تنثروه نثر الدقل ، وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة وقال : إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا) فاصغ لها سمعك ، فإنه خير تؤمر به ، أو شر تصرف عنه . وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى : دخلت على امرأة وأنا أقرأ (سورة هود) فقالت لي : يا عبد الرحمن هكذا تقرأ سورة هود ؟ ! والله أنى فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقرآن في صلاة الليل تارة ويجهر تارة ، ويطيل القيام تارة ، ويخففه تارة ، وكان يصلى التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر ، قبل أي وجه توجهت به ، فيركع ويسجد عليها إيماء ، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه .