مختصر زاد المعاذ الصفحة 3 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل وأما الظهر ، فكان قراءتها أحياً ، حتى قال أبو سعيد : كانت صلاة الظهر تقام ، فيذهب الذاهب إلى البقيع ، فيقضى حاجته ، ثم يأتى أهله فيتوضأ ، ويدرك النبي صلي الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها . وروه مسلم ، وكان يقرأ فيها تارة بقدر (آلم تنزيل) السجدة ، وتارة بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) ، (والليل إذا يغشى) ( والسماء ذات البروج) . وأما العصر ، فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت ، وبقدرها إذا قصرت . وأما المغرب ، فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم ، فإنه صلاها مرة بـ (الأعراف) في الركعتين ، ومرة بـ (الطور) ، ومرة بـ (المرسلات) . وأما المداومة على قراءة قصار المفصل فيها ، فهو من فعل مروان ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت . قال ابن عبد البر : روى عنه أنه قرأ في المغرب ب، (المص) وبـ (الصافات) وبـ (الدخان) و (سبح اسم ربك الأعلى ) ، وبـ (التين) وبـ(المعوذتين) وبـ (المرسلات) وهو مشهور وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل ، وكلها آثار صحاح مشهورة . وأما عشاء الآخرة ، فقرأ صلي الله عليه وسلم فيها بـ (التين) ووقت لمعاذ فيها : بـ (الشمس وضحاها) وبـ (سبح اسم ربك الأعلى) ، (والليل إذا يغشى) ونحوها ولهذا أنكر عليه قراءته فيها بـ (البقرة) وقال له : 'أفتان أنت يا معاذ' ؟ فتعلق النقارون بهذه الكلمة ، ولم يلتقوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها . وأما الجمعة ، فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و(المنافقون) وسورتي : (سبح) و(الغاشية) . وأما الإقتصار على قراءة أواخر السوريتين فلم يفعله قط . وأما الأعياد ، فتارة يقرأ بـ (ق) و(اقتربت) كاملتين ، وتارة بـ (سبح) و(الغاشية) وهذا الهدى الذي استمر عليه إلى أن لقي الله عز وجل . ولهذا اخذ به الخلفاء ، فقرأ أبو بكر في الفجر سورة (البقرة) حتى سلم قريباً من طلوع الشمس . وكان بعده عمر يقرأ فيها ب، (يوسف) و(النحل) و(هود) و(بنى إسرائيل) ونحوها . وأما قوله : ' أيكم أم بالناس فليخفف ' ، فالتخفيف أمر نسبى يرجع فيه إلى ما فعله النبي صلي الله عليه وسلم ، لا إله شهوات المأمورين . وهديه الذي كان يواظب عليه ، هو الحاكم في كل ما تنازع فيه المتنازعون ؟ وكان لا يعين سورة بعينها لا يقرأ إلا بها ، إلا في الجمعة والعيدين . وكان من هديه قراءة السورة ، وربما قرأها في الركعتين . وأما قراءة أواخر السور وأوساطها ، فلم يحفظ عنه . وأما قراءة السوريتين في الركعة ، فكان يفعله في النافلة . وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معاً ، فقلما كان يفعله . وكان يطيل الركعة الأولى على الثانية من كل صلاة ، وربما كان يطيلها ، حتة لا يسمع وقع قدم . فإذا فرغ من القراءة ، رفع يديه وكبر راكعاً ، ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما ، ووتر يديه ، فنحاهما عن جنبيه ، وبسط ظهره ومده ، واعتدل فلم ينصب رأسه ولم يخفضه ، بل حيال ظهره . وكان يقول : ' سبحان ربى العظيم ' . وتارة يقول مع ذلك ، أو مقتصراً عليه : 'سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ' . وكان ركوعه المعتاد مقدرا عشر تسبيحات ، وسجوده كذلك ، وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام ، ولكن كان يفعله أحيانا في صلاة الليل وحده . فهديه الغالب تعديل الصلاة وتناسبها . وكان يقول في ركوعه : 'سبوح قدوس رب الملائكة والروح ' . وتارة يقول : ' اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي ، وبصري ومخي ، وعظمى ، وعصبي ' وهذا إنما حفظ عنه في قيام الليل . ثم يرفع رأسه قائلا : سمع الله لمن حمده ' . ويرفع يديه ، وكان دائما يقيم صلبه إذا رفع من الركوع ، وبين السجدتين ، ويقول : ' لا تجزى صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ' . وكان إذا استوى قال : ' ربنا ولك الحمد ' وربما قال : ' ربنا لك الحمد' وربما قال : ' اللهم ربنا لك الحمد ' . وأما الجمع بين اللهم والواو ، فلم يصح . وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع ، فصح عنه أنه كان يقول فيه : ' اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شئ بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ' . وصح عنه أنه كان يقول فيه : ' اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ، ونقنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ' . وصح عنه أنه كرر فيه قوله : ' لربى الحمد ، لربى الحمد ' . حتى كان بقدر ركوعه . وذكر مسلم عن أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : ' سمع الله لمن حمده ' قام حتى نقول : قد أوهم . ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول : قد أوهم ، فهذا هديه المعلوم : وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بنى أميه حتى ظن أنه من السنة . فصل ثم كان يكبر ويخر ساجداً ، ولا يرفع يديه . وكان يضع ركبتيه ثم يديه بعدهما ، ثم جبهته وأنفه . هذا هو الصحيح فكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب إليها فالأقرب ، وأول ما يرفع الأعلى فالأعلى فإذا رفع ، رفع رأسه أول ، ثم يديه ، ثم ركبتيه ، وهكذا عكس فعل البعير . وهو نهى عن التشبه بالحيوانات في الصلاة ، فنهى عن بروك كبروك البعير ، والتفات كالتفات الثعلب ، وافتراش كافتراش السبع ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، ونقر كنقر الغراب ، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس . وكان يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة ، ولم يثبت عنه السجود عليه ، وكان يسجد على الأرض كثيراً ، وعلى الماء والطين ، وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل ، وعلى الحصير المتخذ منه ، وعلى الفروة المدبوغة . وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض ، ونحى يديه عن جنبيه ، وجافاهما حتى يرى بياض إبطيه ، وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه ، ويعتدل في سجوده ، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ، ويبسط كفيه وأصابعه ، ولا يفرج بينهما ، ولا يقبضهما . وكان يقول : ' سبحان ربى الأعلى ط وأمر به ، ويقول ' سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، واللهم اغفر لي ' ويقول : ' سبوح قدوس رب الملائكة والروح' وكان يقول : اللهم لك سجدت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره ، وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين . وكان يقول : ' اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله ، وأوله وآخره وعلانيته وسره ' . وكان يقول : ' اللهم اغفر لي خطاياي وجهلي ، وإسرافي فى أمري ، وما أنت أعلم به منى ، اللهم اغفر لي جدة وهزلي ، وخطاياي وعمدي وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ' . وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود ، وقال : 'إنه قمن أن ستجاب لكم ' . فصل ثم يرفع رأسه مكبراً غير رافع يديه ، ثم يجلس مفترشا يفرش اليسرى ، ويجلس عليها ، وسنصب اليمنى ، ويضع يديه على فخذيه ، ويجعل مرفقيه على فخذيه ، وطرف يده على ركبته ، ويقبض اثنين من أصابعه ، ويحلق حلقه ، ثم يرفع إصبعه يدعو بها ، ويحركها ، ثم يقول : ' اللهم اغفر لي وارحمني ، وأجبرني ، واهدني ، وارزقني ' هكذا ذكره ابن عباس عنه . وذكر حذيفة عنه أنه كان يقول ' رب افر لي ' ثم ينهض على صدور قدميه وركبتيه ، معتمداً على فخذيه ، فإذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت ، كما يسكت عند الاستفتاح . ثم يصلى الثانية كالأولى إلا في أربعة أشياء : السكوت والاستفتاح ، وتكبيرة الإحرام ، وتطويلها . فإذا جلس للتشهد ، وضع يده اليسرى على فخذه الأيسر، ويده اليمنى على فخذه الأيمن ، وأشار بالسبابة ، وكان لا ينصبها نصباً ، ولا ينيمها ، بل يحنيها شيئاً يشيرا ، ويحركها ، ويقبض الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى مع الإبهام ويرفع السبابة يدعو بها ، ويرمى بصره إليها ويبسط الكف اليسرى على الفخذ اليسرى ، ويتحامل عليها . واما صفة جلوسه ، فكما تقدم بين السجدتين سواء . وأما حديث ابن الزبير الذي رواه مسلم : كان إذا قعد في الصلاة جهل قدمه الأيسر بين فخذه وساقه ، وفرش اليمني ، فهذا في التشهد الأخير . ذكر ابن الزبير أنه يفرش اليمني وذكر أبو حميد أنه ينصبها ، وهذا والله أعلم ليس باختلاف ، فإنه كان لا يجلس عليها ، بل يخرجها عن يمينه ، فتكون بين المنصوبة والمفروشة ، أو يقال : كان يفعل هذا وهذا ، فكان ينصبها ، وربما فرشها أحيانا وهو أروح لهما . ثم كان يتشهد دائما في هذه الجلسة ويعلم أصحابه أن يقولوا : ' التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ' وكان يخففه جدا كأنه يصلي علي الرضف ، ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلي عليه وعلي آله فيه ، ولا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ، ومن استحبه فإنما فهمه من عمومات قد تبين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير . ثم كان ينهض مكبرا علي صدور قدميه ، وعلي ركبتيه معتمدا علي فخذيه . وفي ' صحيح مسلم ' وبعض طرق البخاري ، أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع ، ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها ، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا. ولم يكن من هديه الألتفات في الصلاة وفي ' صحيح البخاري ' أنه سئل عخه فقال : ' هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ' وككان يفعله في الصلاة أحيانا لعارض ، لم يكن من فعله الراتب كالتفاته إلي الشعب الذي بعث إليه الطليعة والله اعلم وكان يدعو بعد التشهد وقبل السلام وبذلك أمر في حديث أبي هريرة وحديث فضالة. وأما الدعاء بعد السلام مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه أصلا وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها.وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل علي ربه فإذا سلم زال ذلك ثم كان صلي الله عليه وسلم يسلم عن يمينه : ' السلام عليكم ورحمة الله ' عن يساره كذلك ، هذا كان فعله الراتب وروي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه لكن لم يثبت وأجود ما فيه حديث عائشة وهو في 'السنن' ، لكنه في قيام الليل وهو حديث معلول ، علي أنه ليس صريحا في الاقتصار علي التسليمة الواحدة . وكان يدعو في صلاتته فيقول : ' اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا و الممات ، اللهم أني أعوذ بك من المأثم والمغرم ' . وكان يقول في صلاته أيضا : ' اللهم اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي في ما رزقتني'.وكان يقول : ' اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة علي الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم '. والمحفوظ في ادعيته كلها ( في الصلاة ) بلفظ الإفراد . وكان إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه ذكره أحمد وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته وقد جعل الله قرة عينه ونعيمه في الصلاة فكان يقول :' يا بلال أرحنا بالصلاة ' ولم يشغله ذلك عن مراعاة المأمومين مع كمال حضور قلبه . وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها ، فيسمع بكاء الصبي ، فيخفقها مخافة أن يشق علي أمه ، وكذلك كان يصلي الفرض وهو حامل أمامه بنت ابنته علي عاتقه ، إذا قام حملها وإذا ركع وسجد وضعها ، وكان يصلي فتجئ عائشة ، فيمشي ، فيفتح لها الباب ثم يرجع إلي مصلاه . وكان يرد السلام بالإشارة . وأما حديث ' من أشار في صلاته فليعدها ' فحديث باطل . وكان ينفخ في صلاته ذكره أحمد وكان يبكي فيها ويتنحنح لحاجة . وكان يصلي حافياً تارة ومتنعلاً أخري وأمر بالصلاة في النعل مخالفة لليهود ، وكان يصلي في الثوب الواحد تارة ، وفي الثوبين تارة وهو أكثر . وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك ، وكان قنوته لعارض ، فلما زال تركه ، فكان هديه القنوت في النوازل خاصة ، وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته يه لأجل ما يشرع فيه من الطول ولقربها من السحر وساعة الإجابة ، والتنزل الإلهي .