مختصر زاد المعاذ الصفحة 2 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة والعصمة الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله . أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والاختيار . قال الله تعالى : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة ، سبحان الله وتعالى عما يشركون ) ( القصص : آية 68) والمراد بالاختيار : هو الاجتباء والاصطفاء ، وقوله : ( ما كان لهم الخيرة ) أي : ليس هذا الاختيار إليهم فكما أنه المتفرد بالخلق فهو المتفرد بالاختيار منه فإنه أعلم بمواقع اختياره كما قال تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) الأنعام : ( الآية 124 ) وكما قال تعالى : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) الزخرف ( الآية : 31) فأنكر سبحانه عليهم تخيلهم وأخبر أن ذلك إلى الذي قسم بينهم معيشتهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات وقوله : (سبحان الله عما يشركون ) . نزه نفسه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم ولم يكن شركهم متضمناً لإثبات خالق سواه حتى ينزه نفسه عنه والآية مذكورة بعد قوله : ( فأما من تاب وأمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين ( القصص الآية : 67) . فصل اختص الله نفسه بالطيب والمقصود أن الله سبحانه اختار من كل جنس أطيبه فاختصه لنفسه فانه سبحانه وتعالى طيب لا يحب إلا الطيب ولا يقبل من القول والعمل والصدقة إلى الطيب . وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يرضى إلا به ولا يسكن إلا إليه ولا يطمئن قلبه إلا به . فله من الكلام الطيب الذي لا يصعد إلى الله إلا هو ، وهو أشد نفرة عن الفحش في المقال والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وكل كلام خبيث . وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها ، وهي التي جمعت علي حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية وزكتها العقول الصحيحة ، مثل أن يعبد الله وحده لا شريك له ويؤثر مرضاته علي هواه ، ويتحبب إليه بجهده ويحسن إلي خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوه به. وله من الأخلاق أطيبها كالحلم والوقار والصبر والرحمة والوفاء والصدق وسلامة الصدر والتواضع وصيانة الوجه عن بذله وتذلل لغير الله. وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها ومن الأصحاب إلا الطيبين . فهذا ممن قال الله فيهم: ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) ( النحل الآية 32) ومن الذين تقول لهم خزنة الجنة : ( سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)( الزمر الآية:73) وهذه الفاء تقتضي السببية، أي بسبب طيبكم فادخلوها. وقال تعالى : ' الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ، أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ' . (النور الآية 26) ففسرت بأن الكلمات الخبيثات للخبيثين والكلمات الطيبات للطيبين وفسرت بالنساء الطيبات للرجال الطيبين وبالعكس وهى تعم ذلك وغيره والله تعالى جعل الطيب بحذافيره في الجنة وجعل الخبيث بحذافيره في النار فدار أخلصت للطيب ، ودار أخلصت للخبيث ودار مزج فيها الخبيث بالطيب وهى هذه الدار فإذا كان يوم الميعاد ميز الله الخبيث من الطيب فعاد الأمر إلى دارين فقط والمقصود أن الله جعل للشقاوة والسعادة عنوانا يعرفان به وقد يكون للرجل مادتان فأيهما غلبت عليه كان من أهلها فإذ أراد الله بعبده خيرا طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره العبد داره بخبائثه ، فيدخله النار طهرتاً له وأقامه هذا النوع فيه على حسب سرعة زوال الخبائث وبطئها . ولما كان المشرك خبيث الذات لم تطهره النار كالكلب إذا دخل البحر . ولما كان المؤمن الطيب بريئا من الخبائث كانت النار حراماً عليه اذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره فسبحان من بهرت حكمته العقول . فصل في وجوب معرفة هدي الرسول ومن هاهنا يعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول ما جاء به فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت فالضرورة العبد إلى الرسول فوقها بكثير . وما ظنك بمن إن غاب عنك هدية وما جاء به طرفة عين فسد قلبك ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إلام . وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين . والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحرور والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . فصل في هديه  في الوضوء كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب احيانه ، وربما صلي الصلوات بوضوء واحد . وكان يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه تارة ، وبأزيد منه تارة . وكان من ايسر الناس صبا لماء الوضوء، ويحذر أمته من الإسراف فيه ، وصح عنه انه توضأ مرة مرة ، ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا . وفي بعض الأعضاء مرتين أو ثلاثة وكان يتمضمض ويستنشق تارة غرفة ، وتارة بغرفتين ، وتارة بثلاث، وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق . وكان يستنشق باليمنى وينثر باليسرى ، وكان يمسح رأسه كله تارة ، وتارة يقبل بيديه ويدبر بهما . ولم يصح عنه أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبته ، ولكن إذا مسح على ناصيتة كمل على العمامة ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق ولم يحفظ عنه انه أخل بهما مرة واحدة وكذلك الوضوء مرتباً متوالياً ولم يخل به مرة واحدة وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفين ولا جوربين ويمسح أذنيه مع رأسه ظاهرهما وباطنهما . وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه فكذب غير التسمية في أوله وقول : ' اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ' . وحديث آخر في سنن النسائي : ' سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ' ولم يكن يقول في أوله : نويت . ولا أحد من الصحابة ألبته ولم يتجاوز الثلاث قط . وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز مرفقين والكعبين ولم يكن يعتاد تنشيف أعضائه وكذلك يخلل لحيته أحيانا ولم يواظب على ذلك وكذلك تخليل الأصابع ولم يكن يحافظ عليه واما تحريك الخاتم فروى فيه حديث ضعيف . وصح عنه أنه مسح في الحضر السفر ووقت للمقيم يوما وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وكان يمسح ظاهر الخفين ومسح على الجوربين ، ومسح على العمامة مقتصر عليها ومع الناصية ولكن يحتمل أن يكون خاصاً بحال الحاجة ويحتمل العموم وهو اظهر. ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قماه ، بل إن كانتا في الخفين مسح ، وإن كانتا مكشوفين غسل . وكان يتمتم بضربه واحدة للوجه والكفين ، ويتيمم بالأرض التي يصلى عليها تراباً كانت أو سبخة أو رملا . وصح عنه أنه قال : ' حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ' . ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال وماؤهم في غاية القلة ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به ولا فعله أحد من أصحابه ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل . ولم يصح عنه التيمم بكل صلاة ولا أمر به بل أطلق التيمم وجعله قائما مقام الوضوء . فصل في هديه e في الصلاة كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال : الله اكبر ، ولم يقل شيا قبلها ولا تلفظ بالنية ولا استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة . وكان دأبه في إحرامه لفظة : الله اكبر لا غيرها وكان يرفع يديه معها ممدودتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة إلى فروع أذنيه وروى إلى منكبيه ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى . [ فوق الرسغ والساعد ، ولم يصح عنه موضع وضعهما ، ولكن ذكر أبو داود عن على : من السنة وضع الكف عن الكف في الصلاة تحت السرة ] . وكان يستفتح تارة بـ : ' اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم اغسلي من خطاياي بالماء والثلج والبرد ، اللهم نقنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ' . وتارة يقول : ' وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ' . 'اللهم أنت الملك لا اله أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعا ، انه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخرق ليهدي لأحسنها إلا أنت ، وأصرف عني سيئها ، لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، لبيك وسعديك ، والخير في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك ، تباركت وتعاليت وأستغفرك وأتوب إليك ' . ولكن المحفوظ في قيام الليل. وتارة يقول : ' اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ..' إلى آخره . وقد تقدم. وتارة يقول : ' اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ' إلى آخره . ثم ذكر نوعين آخرين ، ثم قال : فكل هذه الأنواع قد صحت عنه. وروي عنه انه يستفتح بـ ' سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالي جدك ، ولا إله غيرك' . ذكره أهل ' السنن' والذي قبله اثبت منه. ولكن صح عن عمر انه يستفتح به في مقام النبي صلي الله عليه وسلم ويجهر به ، يعلمه الناس . قال أحمد : أذهب ما روي عن عمر ، ولو أن رجل استفتح ببعض ما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم كان حسنا . وكان يقول بعد ذلك : ' أعوذ بالله من الشيطان الرجيم' ثم يقرأ الفاتحة . وكان يجهر بـ ' بسم الله الرحمن الرحيم ' تارة ويخفيها أكثر . وكانت قراءته مداً يقف عند كل آيه ويمد بها صوته فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال : ' آمين ' فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته وقالها من خلفه. وكان له سكتتان : سكتة بين التكبيرة والقراءة ، واختلف في الثانية فروي بعد الفاتحة ، وروي قبل الركوع . وقيل: بل سكتتان غير الأولي ، والظاهر انهما اثنتان فقط ، وأما الثالثة فلطيفة ، لأجل ترد النفس فمن لم يذكرها فلقصرها ، فإذا فرغ من قراءة الفاتحة أخذ في سورة غيرها ، وكان يطيلها تارة ويخففها لعارض من سفر أو غيره ويتوسط فيها غالباً . وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آيه إلى مائة وصلاها بسورة ( ق ) ، وصلاها بسورة ( الروم ) ، وصلاها بـ ( إذا الشمس كورت ) وصلاها بـ ( إذا زلزلت الأرض ) في الركعتين كلتيهما ، وصلاها ( بالمعوذتين ) ، وكان في السفر وصلاها : فاستفتح سورة (المؤمنون ) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولي ، أخذته سعلة فركع. وكان يصليها يوم الجمعة بـ ( آلم السجدة ) و ( هل أتي علي الإنسان ) لما اشتملتا عليه من المبدأ والمعاد وخلق آدم ودخول الجنة والنا وذكر ما كان وما يكون في يوم الجمعة كما كان يقرأ في المجامع العظام وكالأعياد والجمعة بسورة ( ق ) و( واقتربت ) و(سبح) و( الغاشية ) .