مختصر زاد المعاذ الصفحة 16 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا على منازلهم . فلما كان يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشر من نبوته خرجوا على عادتهم ، فلما حميت الشمس رجعوا ، وسعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فصرخ بأعلى صوته : يا بنى قيلة هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذى تنتظرون . فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوه ، وسمعت الوجبة والتكبير في بنى عمرو بن عوف ، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه ، وخرجوا للقائه ، وتلقواه وحيوه بتحية النبوة ، وأحدقوا به مطيفين حوله ، والسكينة تغشاه ، والوحى ينزل عليه : والله (هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة عد ذلك ظهير) 'سورة التحريم : 4' . فسار حتى نزل بقباء في بنى عمرو بن عوف ، فنزل على كلثون بن الهدم ، وقيل : على سعد بن خيثمة . فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، وأسس مسجد قباء ، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة ، فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله ، فأدركته الجمعة في بنى سالم بن عوف ، فجمع بهم في المسجد الذى في بطن الوادى ، ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته : هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة . فقال : 'خلوا سبيلها فإنها مأمورة ' فلم تزل سائرة به لا يمر بدار من دور الأنصار إلا رغوا إليه في النزول عليهم ويقول : 'دعوها فإنها مأمورة' ، فسارت حتى وصلت موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت ، وسارت قليلاً ، ثم التفتت ورجعت في موضعها الأول فبكرت ، فنزل عنها وذلك في بنى النجار أخواله . وكان من توفيق الله لها ، فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك ، فجعلوا يكلمونه في النزول عليهم ، وبادر أبو أيوب على رحله فأخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : 'المرء مع رحله ' وجاء أسعد بن زرارة ، فأخذ ناقته فكانت عنده ، وأصبح كما قال قيس ن صرمة الأنصارى – وكان ابن عباس يختلف إليه يتحفظها - : ثوى في قريش بــضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيباً مواتيــــــــــــــــاً ويعرض في أهل المواسم نفسه فلما أتانا واستقر به النوى وأصبح لا يخشى ظلامه ظالم بذلنا له الأموال من حل مالنـا فلم ير من يؤوى ولم ير داعيا وأصبح مسروراً بطيبـــة راضيا بعيد ولا يخشى من الناس باغيا وأنفسنا عند الوغى والتآسيــــــــــــــــــا نعادى الذى عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيـــــــــــره وإن كتاب الله أصبح هاديـاً قال ابن عباس : كان النبى صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأمر بالهجرة ، وأنزل عليه : (وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيراً ) 'سورة الإسراء : 80' قال قتادة : أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق ونبى الله يعلم أن لا طاقة به بهذا الأمر إلا سلطان ، فسأل الله سلطانا نصيرا ، وأراه الله دار الهجرة وهو بمكة ، فقال : 'أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين ' . قال البراء : أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار بن ياسر ، وبلا ل ، وسعد ، ثم جاء عمر بن الخاطب في عشرين راكباً ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيت الناس فرحوا بشئ فرحهم به ، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون : هذا رسول الله قد جاء . فأقام في منزل أبى أيوب حتى بنى حجرته ومسجده ، وبعث صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبى أيوب ، زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائه درهم إلى مكة ، فقدما عليه بفاطمة ، وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة زوجته ، وأسامه بن زيد ، وأمه أم أيمن . وأما زينب ، فلم يمكنها زوجها أبو العاص من الخرج ، وخرج عبد الله بن أبى بكر معهم بعيال أبى بكر وفيهم عائشة فنزلوا فى بيت حارثة بن النعمان . فصل في بناء المسجد قال الزهرى : بركت ناقته صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين ، وكان مربداً ليتيمين في حجر أسعد ابن زرارة ، فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالا : بل نهبه لك ، فأبى حتى اتباعه منهما بعشرة دنانير ، وكان جداراً ليس له سقف وقبلته إلى بيت المقدس ، وكان يصلى فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنشبت ، وبالنخل والشجر فقطع ، وصفت في قبلة المسجد ، وجعل طوله مما يلى القبلة مائة ذراع إلى المؤخرة ، وفى الجانبين مثل ذلك أو دونه ، وجعل أساسه قريباً من ثلاثة أذرع ، ثم بنوه باللبن ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبنى معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين وكان يقول : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهـــــــــــر وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن ، وجعل بعضهم يقول في رجزه : لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منـــا العمل المضلل وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب باباً في مؤخره ، وباباً يقال به : باب الرحمة ، والباب الذى يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد ، وقيل له : ألا تسقفه ؟ فقال : 'لا عريش كعريش موسى' ، وبنى بيوتاً إلى جانبه بيوت أزواجه بالبن ، وسقفها بالجذوع والجريد ، فلما فرغ من البناء بنى عائشة في البيت الذى بناه لها شرقى المسجد ، وجعل لسودة بيتاً آخر . ثم أخرى بين المهاجرين والأنصار ، وكانوا تسعين رجلاً ، نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار في المواساة ، ويتوارثون بعد الموت إلى وقعة بدر ، فلما نزلت (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) الآية 'سورة الأحزاب : 6' رد التوارث إلى الرحم وقيل : إنه آخى بين المهاجرين ثانية ، واتخذ علياً أخاً ، والأول أثبت . ولو كان ذلك ، لكان أحق الناس بأخوته الصديق الذى قال فيه : ' لو كنت متخذاً من أمتى خليلاً لاتخذت ابا بكر خليلاً ، ولكن أخى وصاحبى ' . وهذه الأخوة وإن كانت عامة كما قال : 'وددت أنا قد رأينا إخواننا' قالوا : ألسنا إخوانك ؟ قال : ' أنتم أصحابى ، وإخوانى قوم يأتون من بعدى ، يؤمنون بى ولم يرونى ' ، فللصديق من هذه الأخوة أعلى مرابتها كما له من الصحبة أعلى مراتبها ، ووادع من بالمدينة من اليهود ، وكتب بينه وبينهم كتاباً ، وبادر حبرهم عبد الله بن سلام ، فدخل في الإسلام ، وأبى عامتهم إلا الكفر وكانوا ثلاث قبائل : قينقاع ، والنضير ، وقريظة ، وحاربه الثلاثة ، فمن على قينقاع ، وأجلى النضيير ، وقتل قريظة ، وسبى ذريتهم ، ونزلت سورة الحشر في النضير ، والأحزاب في قريظة . وكان يصلى إلى بيت المقدس ، وقال جبريل : 'وددت أن الله صرف وجهى من قبلة اليهود ' فقال : 'إنما أنا عبد فادع ربك واسأله ' ، فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك ، فأنزل الله عليه : ( قد نرى تقلب وجهك في الشماء ) الآية 'سورة البقرة :144' وذلك بعد ستة عشر شهراً من مقدمه المدينة قبل بدر بشهرين ، وكان في ذلك حكم عظيمة ، ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين ، فأما المسلمون ، فقالوا : (آمنا به كل من عند ربنا ) . وهم الذين هدى الله ، ولم تكن كبيرة عليهم ، وأما المشركون ، فقالوا : كما رجع إلى قبلتنا يرشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا أنها الحق . وأما اليهود ، فقالوا : خالف قبلة الأنبياء قبله . وأما المنافقون ، فقالوا : ما يدرى أني يتوجه إن كانت الأولى حقاً فقد تركها ، وإن كانت الثانية هى الحق ، فقد كان على باطل . وكثرت أقاويل السفهاء من الناس ، وكانت كما قال الله تعالى : ( وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله) 'سورة البقرة : 143' وكانت محنة من الله ليرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، ولما كان شأن القبلة عظيماً وطأ سبحانه قبلها أمر النسخ وقدرته عليه ، وأنه يأتى بخير من المنسوخ أو مثله ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على رسوله ، ولم ينقد له . ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شئ ، وحذر عباده من موافقتهم واتباع أهوائهم ، ثم ذكر كفرهم به وقولهم : أن له ولد سبحانه وتعالى . ثم أخبر أنه له المشرق والمغرب ، فأينما ولى عباده وجوههم فثم وجهه وهو الواسع العليم ، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما توجه العبد ، فثم وجه الله ، ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحابه الجحيم الذين لا يتابعونه . ثم أخبره أن أهل الكتاب لمن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ، ثم ذكر أهل الكتاب نعمته عليهم ، وخوفهم باسه ، ثم ذكر خليله بانى بيته ، وأثنى عليه ، وأخبر أنه جعله إماماً للناس ، ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له وفى ضمن هذا أن بانيه كما هو إمام للناس ، فكذلك البيت الذى بناه إمام لهم . ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا اسفه الناس ، ثم أمر عباه أن يأتموا به ، ويؤمنوا بما أنزل إليه إلى النبيين ، ثم رد على من قال : إن إبراهيم وأهله كانوا هوداً أو نصارى ، وجعل هذا كله توطئة بين يدى تحويل القبلة ، وأمد سبحانه الأمر مرة بعد مرة ، وأمر به حيث كان رسوله ومن حيث خرج . وأخبر سبحانه أن الذى يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم الذى هداهم لهذه القبلة ، وأنها لهم وأنهم أهلها ، لأنها أفضل القبل ، وهم أفضل الأمم ، كما اختار لهم أفضل الرسل ، وأفضل الكتب وأخرجهم من خير القرون وخصهم بأفضل الشرائع ، ومنحهم خير الأخلاق ، وأسكنهم خير الأرض ، وجعل منازلهم ف الجنة خير المنازل ، وموقفهم في القيامة خير المواقف فهم على تل عال والناس تحتهم ، فسبحان من يختص برحمته من يشاء ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ، لئلا يكون للناس عليهم حجة ، ولكن الظالمين يحتجون عليهم تلك الحجج التى ذكت ، ولا تعارض الرسل إلا بها وأمثالها . وكل من قدم على أقوال الرسول سواها ، فحجته من جنس حجج هؤلاء ، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم ، وليهديهم ، ثم ذكر نعمته عليهم بإرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ليزكيهم به ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون . ثم أمرهم بذكره وشكره إذ بهما يستوجبون تمام النعمة والمزيد ، ويستجلبون ذكره ومحبته لهم ، ثم أمرهم بما لا يتم ذلك لهم إلا بالاستعانة به ، وهو الصبر والصلاة ، وأخبر أنه مع الصابرين ، وأتم نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس مرات ، وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أخريين بعد أن كانت ثنائية ، وكل هذا بعد مقدمه المدينة .