مختصر زاد المعاذ الصفحة 15 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى البيت المقدس راكباً على البراق صحبة جبرائيل ، فنزل هناك ، وصلى بالأنبياء إماماً ، وربط البراق بحلقة باب المسجد ، وقيل : إنه نزل بين لحم ، ولا يصح عنه ذلك ألبته . ثم عٌرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلي السماء الدنيا ، فاستفتح له جبرائيل ، ففتح لهما ، فرأى آدم أبا البشر صلي الله عليه وسلم ، فسلم عليه ، فرد عليه السلام ، ورحب به ، وأقر بنبوته ، وأراه الله أرواح السعداء من بنيه عن يمينه ، وأرواح الأشقياء عن يساره. ثم عرج به إلي السماء الثانية ، فرأى فيها يحيى وعيسى ، ثم عرج به إلي السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف ، ثم إلى الرابعة، فرأى فيها إدريس ، ثم إلي الخامسة ، فلقى فيها هارون ، ثم إلي السادسة ، فلقي فيها موسى ، فلما جاوزه بكى ، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لأن غلاماً بٌعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ، ثم إلي السابعة ، فلقي فيها إبراهيم ، ثم رفعت له سدرة المنتهي ، ثم رفع له البيت المعمور ، ثم عرج به إلي الجبار جل جلاله ، فدنا منه حتى ( كان قاب قوسين أو أدني ، فأوحي إلي عبده ما أوحى). وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مّر علي موسى فقال: بم أمرت ؟ فقال:' بخمسين صلاة' قال: إن أمتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلي ربك ، فاسأله التخفيف لأمتك ، فالتفت إلي جبريل كأنه يستشيره فأشار : أن نعم إن شئت .فعلا به جبرائيل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالي وهو مكانه . هذا لفظ البخاري في 'صحيحه'. وفي بعض الطرق : فوضع عنه عشراً ن ثم نزل مر بموسى ، فأخبره ن فقال: ارجع إلي ربك ، فاسأله التخفيف ، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالي حتى جعلها خمساً فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، قال ' قد استحيت من ربي ، ولكن أرضي وأسلم' فلما نفذ، نادى مناد : ' قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي'. واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رآه ، وصح عنه أنه قال : رآه بفؤاده، وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك ، وقالا : إن قوله ( ولقد رآه نزلة أخرى ) إنما هو جبرائيل ، وصح عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك ؟ قال : ' نور أني أراه ' أي : حال بيني وبين رؤيته النور ، كما في اللفظ الآخر : ' رأيت نوراً). وحكى الدرامي اتفاق الصحابة أنه لم يره. قال شيخ الإسلام : وليس قول ابن عباس مناقضاً لهذا ، ولا قوله: رآه بفؤاده. وقد صح عنه : ' رأيت ربي تبارك وتعالي' لكن هذا في المدينة في منامه. وعلي هذا بنى الإمام أحمد ، فقال : نعم رآه ، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد ، ولم يقل : إنه رآه في يقظته ، لكن مرة قال : رآه ، ومرة قال : رآه بفؤاده، وحكيت عنه رواية من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه ، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك ، وأما قول ابن عباس: إنه بفؤداه مرتين فإن كان استناده إلي قوله : ( ما كذب الفؤاد ما رأي ) ثم قال : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) والظاهر أنه مستنده ، فصح عنه صلي الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبرائيل رآه في صورته مرتين ، وقول ابن عباس هذا ، هو مستند أحمد في قوله : رآه بفؤاده. وأما قوله : ( ثم دني فتدلى) فهذا غير الدنّوّ والتدلي في قصة الإسراء ، فالذي في القرآن جبرائيل كما قالت عائشة وابن مسعود ، والسياق يدل عليه ، فإنه قال : ( علّمه شديد القوي ) إلي آخره. وأما ' الدنوّ' ' و' التدلي' في الحديث ، فهو صريح أنه دنّو الرب تبارك وتعالي وتدليّه. فلما أصبح صلي الله عليه وسلم في قومه ، أخبرهم ، فاشتد تكذيبهم له ، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس ، فجلاه الله حتى عاينه ، وطفق يخبرهم عنه ، ولا يستطيعون أن يردوا عليه ، وأخبرهم عن عيرهم ، في مسراه ورجوعه ، وعن وقت قدومها ، والبعير الذي يقدمها ، فككان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا ثبوراً. ونقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا : إن الإسراء بروحه ، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق أن يقال : كان الإسراء مناماً ، وبين ذلك وبينهما فرق عظيم، وهما لم يقول إن الإسراء كان مناماً فإن يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة ، فيرى كأنه قد عٌرج به إلي السماء ، أو ذهب به إلي مكة ، وروحه لم تصعد ، ولم يذهب ، وإنما مَلك الرؤيا ضرب له المثال ، والذين قالوا: عٌرج بروحه . لم يريدوا أنه كان مناماً ، وإنما أرادوا أن الروح عٌرج بها حقيقة ، وباشرت منه جنس ما تباشر بعد المفارقة ، ولكن لما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى يشق بطنه وهو حي لا يتألم ، عٌرج بذات روحه حقيقة من غير أمانة ، ومن سواه لا تنال روحه ذلك إلا بعد الموت ، فإن الأنبياء إنما استقرت أرواحهم في الرفيق الأعلى بعد موتهم ، ومع هذا فلها إشراف علي البدن بحيث يرد السلام علي من سلم عليه ، وبهذا التعلق رأى موسى يصلي في قبره ، ورآه في السماء. ومعلوم أنه لم يعرج به من قبره، ثم رد عليه ، بل رد عليه ، بل ذلك مقام روحه واستقرارها ، وقبره مقام بدنه واستقراره إلي معاد الأرواح إلي أجسادها، ومن كثف إدراكه عن هذا ، فلينظر إلي الشمس في علو محلها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان بها ، وشأن الروح فوق هذا. فَقٌل للعيونِ الرمدِ إياك أن ترَي سَنَا الشمس فاستغشي ظلام اللّياليا قال ابن عبد البر : كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهي . وكان الإسراء مرة ، وقيل: مرتين ، مرة يقظة ، ومرة مناماً ، وأرباب هذا كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وغيره ، لقوله فيه : ' ثم استيقظت وأنا في المسجد' وقوله فيه : ' وذلك قبل أن توحي إليه' ومنهم من قال : ثلاث مرات . وكل هذا خبط ، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل ، والصواب الذي أئمة أهل النقل أن الإسراء كان مرة واحدة ، ويا عجباً لهؤلاء كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تٌفرض عليه الصلاة خمسين . وقد غلط الحفاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء ، ومسلم أورد المسند منه ، ثم قال : فقدم وأخر وزاد ونقص . ولم يسرد الحديث ، وأجاد رحمة الله. فصل في مبدأ الهجرة التي فرق الله بها وبين أوليائه وأعدائه وجعلها مبدأ لإعزاز دينه ونصره ورسوله قال الزهري : حدثني محمد ن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا : أقام رسول الله صلي الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً ، ثم أعلن في الرابعة ، فدعا الناس إلي الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم ، وفي المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلي أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ، فلا يجد أحداً ينصره ، ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلة قبيلة ، فيقول: ' يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله . تفلحوا و تملكوا بها العرب ، وتدين لكم بها العجم فإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة ' وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه ، فإنه صابئ كذاب . فيردون علي رسول الله صلي الله عليه وسلم أقبح الرد ، ويؤذونه ، ويقولون : عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك ، وهو يدعوهم إلي الله ، ويقول : ' اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا ' قال : وكان من سٌمي لنا من القبائل الذين عر ض نفسه عليهم بنو عامر بن صعصعة ، ومحارب بن خصفة، وفوارة ، وغسان ، ومرة، وححيفة ، وسٌليم ، وعبس ، وبنو نضر، وبنو البكاء ، وكندة ، وكلب، والحارثبن كعب ، وعٌذرة والخضارمة، فلم ستجب منهم أحد. وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبياً سيخرج في هذا الزمان فنتبعه ، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ، وكانت الأنصار يحجون كما كانت العرب تحج دون اليهود ، فلما رأوا رسول الله صلي الله عليه وسلم يدعو الناس إلي الله ، وتأملوا أحواله ، قال بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه . وكان سويد بن صامت من الأوس قد قدم مكة ن فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم ن فلمم يبعد ثم قدمها إلي الإسلام ، فقال إياس بن معاذ وكان شاباً : يا قوم هذا والله خير مما جئنا له . فضربه أنس وانتهره ، فسكت ، فانصرفوا إلي المدينة. ثم أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر كلهم من الخزرج : أسعد بن زرارة ، وجابر بن عبد الله ، وعوف بن الحارث ، ورافع بن مالك ، وقطبة بن عامر ، وعقبة بن عامر ، فدعاهم إلي الإسلام ، فأسلموا ، ثم رجعوا إلي المدينة ، فدعوا الناس إلي الإسلام فلما كان العام المقبل ، جاء منهم اثنا عشر رجلا الستة الأول خلا جابر ، ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف ، وذكوان بن عبد قيس ، وأقام بمكة حتى هاجر ، وأقام بمكة حتى هاجر ، فهو مهاجر ي أنصاري ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويمر بن ساعدة . قال أبو الزبير عن جابر : إن النبى صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ : 'من يؤوينى ومن ينصرنى حتى أبلغ رسالات ربى وله الجنة ' ؟ فلا يجد أحداً حتى إن الرجل ليرحل من مصر أو اليمن إلى ذى رحمه ، فيأتيه قومه ، فيقولون : احذر غلام قريش . ويمشى بين رجالهم يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله من يثرب ، فيأتيه الرجل منا ، فيئمن به ، ويقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله ، فيسملون بإسلامه ، فأجمعنا ، وقنا : حتى متى رسول الله يطرد في جبال مكة . فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم ، فواعدنا بيعة العقبة ، فقال له العباس : ما أدرى ما هؤلاء القوم إنى ذو معرفة بأهل يثرب . فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين ، فلما نظر العباس في وجوهنا قال : هؤلاء قوم لا نعرفهم ، هؤلاء أحداث ، فقلنا : يا رسول الله علام نبايعك ؟ قال : 'على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخدكم فيه لومة لائم ، وعلى أن تنصرونى إذا قدمت عليكم ، وتمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ' فقمنا نايعه ، فأخذ بيده أسعد بن زرارة فقال : روياً يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطى إلا ونحن نعلم أنه رسو ل الله ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وأن تعضم السيوف فإما تصبرون على ذلك ، فخذوه وأجركم على الله ، وإما تخافون من أنفسكم خيفة ، فذروه فهو أعذب لكم عند الله . فقالوا : أمط عنا يدك ، فو الله لا نذر هذه البيعة ، ولا نستقلها ، فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا يعطينا بذلك الجنة . ثم انصرفوا الى المدينة ، وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ن ، ومصعب بن عمير يعلمان القرآن ، ويدعوان إلى الله ، فنزلا على أسعد أسعد بن زرارة ، وكان مصعب بن عمير يؤمهم ، وجمع بهم لما بلغو أربعين ، فأسلم على يديهما بشر كثير ، منهم أسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ ، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بنى عبد الأشهل إلا الأصيرم فتأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم حينئذ ، وقاتل حتى قتل ولم يسجد لله سجدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 'عمل قليل وأجر كثير ' ، وكثر الإسلام في المدينة وظهر . ثم رجع مصعب إلى مكة ووافى الموسم ذاك العام خلق كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين ، وزعيم القوم البراء بن معرور ، فكانت بيعة العقبة ، وكان أول من بايعه البراء بن معرور ، وكانت له اليد البيضاء إذ أكد العقد وبادر إليه ، واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثنى عشر نقيباً ، فلما تمت البيعة استأذنوه على أن يميلوا على أهل منى بأسيافهم فلم يأذن لهم ، وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع : يا أهل الجباجب على لكم في محمد والصباه معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' هذا أزب العقبة ، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك ' ، ثم أمرهم أن ينفضول إلى رحالهم ، فلما أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش فقالوا : بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا ، وايم الله ما حى من العرب أبغض غلينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم . فانبعث من هناك من المشركين يحلفون بالله : ما كان هذا . وجعل ابن أبى يقول : هذا باطل ، وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا ، ولو كنت بيثرب ما صنع قومى هذا حتى يؤامرونى . فرجعت قريش ، ورحل البراء إلى باطن بأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين وطلبتهم قريش ، فأدركوا سعد بن عبادة ، فجعلوا يضربونه حتى أدخلوه مكه ، فجاء مطعم بن عدى ، والحارث بن حرب بن أمية ، فخلصاه منهم ، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه ، فإذا هو قد طلع عليهم فرحلوا جميعاً . وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة فبادر الناس ، فكان أول من خرج إليها أبو سلمة وامرأته ، ولكنها حبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها ، قم خرجت بعد بولدها إلى المدينة ، وشيعها عثمان بن أى طلحة . ثم خرج الناس أرسالاً ، ولم يبق بمكة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلى – أقاما بأمره لهما – وإلا من احتبسه المشركون كرهاً ، وأعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر من يؤمر ، وأعد أبو بكر جهازه . فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وساقوا الذرارى ، والأموال إلى المدينة ، وأنها دار منعة وأهلها أهل بأس ، خافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فيشتد عليهم أمره ، فاجتعموا في دار الندوة ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ من اهل نجد مشتمل الصماء في كسائه ، فأشار كل واحد برأى والشيخ لا يرضاه ، حتى قال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل قبيلة غلاماً جلداً ، ثم نعطيه شيفاً صارماً ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فلا تدرى بنو عبد مناف ما تصنع بعد ذلك ، ونسوق ديته . قال الشيخ : هذا والله الرأى . فتفرقوا عليه ، فجاءه جبريل فأخبره ؛ وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعاً ، فقال له : 'أخرج من عندك ' فقال : إنما هم أهلك يا رسول الله ، فقال : 'إن الله قد أذن لى في الخروج ' فقال أبو بكر ' الصحبة با رسول الله ، قال : 'نعم' . قال : فخذ بأبى وأمى إحدى راحلتى هاتين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 'بالثمن' وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، واجتمع اولئك النفر يتطلعون من صير الباب يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره لى رؤوسهم وهو يتلو : (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) 'سورة يس : 9' ومضى إلى بيت أبى بكر ، فخرجا من خوخة فيه ليلاً ، وجاء رجل فرأى القوم ببابه . فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا . قال : خبتم وخسرتم والله مر بكم ، وذر على رؤوسكم التراب . فقاموا ينفضون عن رؤوسهم ، فلما أصبحوا قام على عن الفراش فسألوه عن النبى صلى الله عليه وسلم فقال : لا علم لى به . ثم مضى وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه ، وضرب العنكبوت على بابه ، وكان قد أستأجرا ابن أريقظ الليثى ، وكان ماهراً بالطريق وهو على دين قومه ، وأمناه على ذلك ، وسلما إليه راحليتهما ، وواعداه الغار بعد ثلاث ، وجدت قريش في طلبهما ، وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا على باب الغار ، وكان عامر بن فهيره يرعى عليهما غنما لأبى بكر ، ومكثا فيه ثلاثاً حتى خمدت عنهما نار الطلب ، ثم جاءهما ابن اريقظ بالراحلتين فارتحلا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيره ، وسار الدليل أمامهما وعين الله تصحبهما ، وإسعاره ينزلهما ويرحلهما . ولما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما ، فجد الناس في الطلب والله غالب على أمره ، فلما مروا بحى بنى مدلج مصعدين من قديد بصر بهم رجل من الحرى ، فقال لهم : لقد رأيت بالساحل أسودة ما أراها إلا محمداً وأصحابه ، ففطن سراقة ، فأراد أن يكون له الظفر خاصة ، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه ، فقال : بل هما فلان وفلان ، خرجا في طلب حاجة لهما . ثم مكث قليلاً ، ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمع : اخرجى بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة ، ثم اخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه ، فلما قرب منهم ؛ وسمع قراءة النبى صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالفتات ، قال أبو بكر : يا رسول الله هذا سراقة قد رهقنا . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فساخت يدا فرسه في الأرض ، فقال : قد علمت أن الذى أصابنى بدعائكما فاعوا الله لى ، ولكما على أن أرد الناس عنكما . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلف فرسه ، وسأله أن يكتب له كتاباً فكتب له أبو بكر بأمره في أديم ، وكان معه إلى يوم فتح مكة ، فجاء الكتاب فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : 'اليوم يوم وفاء وبر ' وعرض عليهما الزاد زلحملان ، فقالا : لا حاجة لنا به ولكن عم عنا الطلب . فقال : قد كفيتم ، ورجع فوجد الناس في الطلب ، فجعل يقول : قد استبرأت لكم الخبر ، فكان أول النهار جاهداً عليهما ، وآخره حاراً لهما ، ثم مرا في مسيرهما ذلك بخيمتى أم معبد الخزاعية ، وذكر القصة ثم قال : وأصبح صوت عالياً بمكة يسمعونه ولا يرون القائل : جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلاً خيمتى أم معبد هما نزلا بالبر والاتحلا بـــــــــــــه فأفلح من أمسى رفيق محمد فيالقصى ما زوى الله عنكـــــم به من فخار لا يجازى وسؤدد سلو أختكم عن شاتها وإنائها له بصريح ضرة الشاة مزيـــــــد نبى يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله كل مشهــــــــد وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهــم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعـــــــــد ويهن بنى كع مكان فتاتهــم ومقعدها للمــــؤمنين بمرصـــــــد قالت أسماء : ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة ، فأنشد هذه الأبيات ، والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه ، حتى خرج من أعلاها . قالت : فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة .