مختصر زاد المعاذ الصفحة 13 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزوات لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام ن ومنازل في الجنة، كما هو الرفعة في الدنيـــا ، كان رسول الله صلي الله عليه وسلم في الذروة العليا منه ،فاستولي علي أنواعه كلها ، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان ن والدعوة والبيان ، فكانت ساعاته موقوفة علي الجهاد، ولهذا كان أعظم العالمين عند الله قدراً . وأمره تعالي بالجهاد من حين بعثه ، فقال ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً) ' سورة الفرقان: 52' فهذه سورة مكية أمره فيها بالجهاد بالبيان ، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجة وهو أصعب من جهاد الكفار ، وهو جهاد الخواص ، وأفراد العالم والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عدداً ، فهم الأعظمون عند الله قدراً. ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن يتكلم به عند من يخاف سطوته، كان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من ذلك الحظ الأوفر، وكان صلي الله عليه وسلم من ذلك أكمله وأتمه، ولما كان جهاد أعداء فرعاً علي جهاد النفس ، كما قال صلي الله عليه وسلم : ' المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ' كان جهادها مقدماً . فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده وهو واقف بينهما يثبط عن جهادهما و بينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما وهو الشيطان ، قال الله تعالي : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) الآية ' فاطر: 6 '. والأمر بذلك تنبيه علي استفراغ الوسع في محاربته ، فهذه ثلاثة أعداء أمر بمحاربتها ، وسٌلطت عليه امتحاناً من الله ، وأعطي العبد مدداً وقوة ، وبلي أحد الفريقين بالآخر ، وجعل بعضهم لبعض فتنة ، ليبلو أخبارهم ، فأعطي عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوي ، وأنزل عليهم كنبه ، وأرسل إليهم رسله ، وأمدهم بملائكته ، وأمرهم بما هو من أعظم العون لهم علي حرب عدوهم ، وأخبرهم أنهم إن امتثلوه فلن يزالوا منصورين وأنه إن سلط عليهم ، فلتركهم بعض ما أمروا به ثم لم يؤيسهم بل أمرهم أن يداووا جراحهم ، ويعودوا إلي مناهضة عدوهم بصبرهم ، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ، ومع المحسنين ، ومع الصابرين ومع المؤمنين ، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين مالا يدافعون عن أنفسهم ،بل بدفاعه عنهم انتصروا ، ولولا ذلك لاجتاحهم عدوهم. وهذه المدافعة بحسب إيمانهم ، فإن قوي إيمانهم قويت ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه .وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده ، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته ، وكما أن حق تقاته أن يٌطاع فلا يعصي ، ويذكر فلا ينسي ، ويشكر غلا يكفر ، فحق جهاده أن يجاهد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله وبالله ، لا لنفسه ولا بنفسه ، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره ، فإنه يعد بالأماني ن ويمني الغرور، ويأمر بالفحشاء ، وينهي عن الهدي وأخلاق الإيمان كلها، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وعدة يجاهد بهما أعداء الله بقلبه ولسانه ويده وماله ، لتكون كلمة الله هي العليا. واختلف عبارات السلف في حق الجهاد ، فقال ابن عباس : هو استفراغ الطاقة فيه ، وأن لا يخاف في الله لومة لاثم. وقال ابن المبارك : مجاهدة النفس والهوى. ولم يصب من قال : إن الآيتين منسوختان. لظنه تضمنهما ما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده : هو ما يطيقه كل عبد في نفسه ، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين و تأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) 'سورة الحج: 78 ' والحرج : الضيق .وقال صلي الله عليه وسلم : بٌعث بالحنيفة السمحة' فهي في التوحيد ، سمحة في العمل ، وقد وسع الله سبحانه علي عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته ، فبسط عليهم التوبة ما دامت الروح في الجسد ، وجعل لكل سيئة كفارة ، وجعل لكل ما حرم عوضاً من الحلال ، وجعل لك عسر يمتحنهم به يسراً بعده، فكيف يكلفهم مالا يسعهم ، فضلا عما لا يطيقونه. فصل إذا عرف هذا ، فالجهاد علي أبع مراتب : جهاد النفس ن وهو أيضا أربع مراتب. أحدها: أن يجاهدها علي تعلم الهـــدي . الثانية: علي الدعوة إليه ن وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله. الثالثة: علي الدعوة إليه ، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله. الرابعة: علي الصبر علي مشاق الدعوة، ويتحمل ذلك كله الله ، فإذا استكمل هذه الأربع صار من الربانيين ، فإن السلف مجمعون علي أن العالم لا يكون ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلّمه. المرتبة الثانية: جهاد الشيطان ، وهو مرتبتان : أحدهما: جهاده علي دفع ما يلقي من الشبهات. الثانية: علي دفع ما يلقي من الشهوات ، فالأولي بعدة اليقين ، والثانية بعدة الصبر ، قالي تعالي: ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) ' السجدة: 24'. المرتبة الثالثة : جهاد الكفار والمنافقين ، وهو أربع مراتب ن بالقلب واللسان والمال والنفس وجهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باللسان. المرتبة الرابعة: جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع ، وهو ثلاث مراتب. الأولي باليد إذا قدر ، فإن عجز انتقل إلي اللسان ، فإن عجز جاهد بقلبه. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد ، و' من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو مات علي شعبة من النفاق' ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان ، والراجون لرحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة ، قالي الله تعالي: ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) ' البقرة218'. وكما أن الإيمان فرض علي كل أحد ، ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة غلي الله عز وجل بالإخلاص ، وهجرة إلي رسوله بالمتابعة، وفرض عليه جهاد نفسه وشيطانه لا ينوب فيه أحد عن أحد. وأما جهاد الكفار والمنافقين ، فقد يكتفي فيه ببعض الأمة. فصل وأكمل الخلق عند الله عز وجل من كمل مراتب الجهاد كلها، ولهذا كان أكمل الخلق عند الله وأكرمهم علي الله خاتم أنبيائه محمداً رسول الله صلي الله عليه وسلم، فإنه كمل مراتبه ، وجاهد في الله حق جهاده ، وشرع فيه من حين بعثه الله إلي أن توفاه ، فإنه لما أنزل عليه: ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبّر وثيابك فطهر) ' سورة المدثر:1-4' . شمر عن ساق الدعوة ، وقام أتم قيام ، ودعا إلي الله ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً ، ولمّا أنزل عليه ( فاصدع بما تؤمر) ' سورة الحجر: 94' صدع بأمر الله ن لا تأخذه في الله لومة لائم ، فدعا إلي الله الكبير والصغير، والحر والعبد ، والذكر والأنثى ، والجن والإنس . ولما صدع بأمر الله ن وصرح لقومه بالدعوة ، وبادأهم بسب آلهتهم ، وعي دينهم ، أشتد أذاهم له ولمن استجاب له ، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه ، كما قال تعالي : ( ما يقال لك إلا ما قيل للرسل من قبلك ) ' سورة فصلت: 43' وقال تعالي : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن) الآية.' سورة الأنعام112' وقال تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ، أتوا صوا به بل هم قوم طاغون ) ' سورة الذاريات: 53،52' فعزي الله سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوة بمن تقدمه ، وعزّي أتباعه بقوله : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) الآية ' سورة البقرة : 214' وقوله : ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) إلى قوله : ( أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) ' العنكبوت: 10-1' فليتأمل العبد سياق هذه الآيات ، وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم ، فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين : إما أن يقول أحدهم : آمنا ، وإما أن لا ، بل يستمر على السيئات ، فمن قال : آمنا ، فتنه ربه ، والفتنة : الابتلاء والاختبار ، ليتبين الصادق من الكاذب ، ومن لم يقل : آمنا ، فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه ، فمن آمن بالرسل ، عاده أعداؤهم ، وآذوه ، فابتلى بما يؤلمه ، ومن لم يطعم عوقب في الدنيا والآخرة . فلابد من حصول الألم لكل نفس ، لكن المؤمن يحصل له الألم ابتداء ، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة ، والمعرض تحصل له اللذة ابتداء ، ثم يصير لإلى الألم الدائم ، وسئل الشافعى رحمه الله : أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى ؟ فقال : لا يمكن حتى يبتلى . والله عز وجل ابتلى أولى العزم من رسله ، فلما صبروا مكنهم ، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم ألبتة فأعقلهم من باع ألماً مستمراً بألم منقطع ، وأسفههم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم المستمر العظيم . فإن قيل : كيف يختار العاقل هذا ؟ قيل : الحامل له على هذا النقد والنسيئة ، والنفس موكلة بالعاجل (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ) 'سورة القيامة : 20، 21' . (إن هؤلاء يحبون العاجلة ) الآية . 'الدهر : 27' . وهذا يحصل لكل أحد ، فإن الإنسان لابد له أن يعيش مع الناس ، ولهم إرادات يطلبون منه موافقتهم عليها ، فإن لم يفعل آذوه ، وعذبوه ، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب ، تارة منهم ، وتارة من غيرهم ، كمن عنده دين وتقى حل بين قوم ظلمة لا يتمكنون من ظلمهم لا بموافقته لهم ، أو سكوته عنهم ، فإن سلم من شرهم في الابتداء ، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم ، وإن سلم منهم ، فلابد أن يهان على يد غيرهم . فالحزم كل الحزم الأخذ بما قلته عائشة رضى الله عنها لمعاوية : 'من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله ، لم يغنوا عنه من الله شيئاً ' . ومن تأمل أحوال العالم ، رأى هذا كثيراً ، فيمن يعين الرؤساء وأهل البدع هراً من عقوبتهم ، فمن وقاه الله شر نفسه ، امتنع من الموافقة على المحرم ، وصبر على عدواتهم ، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة ، كما كانت لمن ابتلى من العلماء وغيرهم . ولما كان الألم لا مخلص منه ألبته ، عزى الله سبحانه من اختار الألم المنقطع بقوله : ( من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العلم ) 'سورة العنكبوت : 5' فضرب لهذا الألم المنقطع أجلاً وهو يوم لقائه ، فيلتذ العبد أعظم لذة بما تحمل من الألم لأجله ، وأكد هذا العزاء برجاء اللقاء ، ليحمل العبد اشتياقه إلى ربه على تحمل الألم العاجل ، بل ربما اللقاء ، ليحمل العبد اشتياقه إلى ربه على تحمل الألم العاجل ، بل ربما غيبه الشوق عن شهود الألم والإحساس به ، ولهذا سأل صلى الله عليه وسلم ربه الشوق إلى لقائه ، وشوقه من أعظم النعم ، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال هما السبب الذى تنال به ، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال ، عليم بتلك الأعمال ، عليم بمن يصلح لهذه النعمة ، كما قال تعالى : (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) الآية . 'سورة الأنعام : 53' فإذا فاتت العبد نعمة ، فليقرأ على نفسه : (أليس الله بأعلم بالشاكرين ) 'سورة الأنعام : 53' ثم عزاهم تعالى بعزاء آخر ، وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم ، وأنه غنى عن العالمين ، فمصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا له سبحانه ، ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين ، ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصية ، وأنه يجعل فتنة الناس ، أى أذاهم له ونيلهم إياه بالألم الذى لابد منه ، كعذاب الله الذى فر منه المؤمنون بالإيمان ، فإذا جاء نصر الله لجنده قال : إنى معكم . والله أعلم بما انطوى عليه صدره من النفاق . والمقصود أن الحكمة اقتضت أنه سبحانه لابد من أن يمتحن النفوس ، فيظهر طيبها من خبيثها ، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة ، وقد حصل لها بذلك من الخبث ما يحتاج خروجه إلى التصفية ، فإن خرج في هذه الدار ، وإلا ففى كير جهنم ، فإذا نقى العبد أذن له في دخول الجنة .