مختصر زاد المعاذ الصفحة 11 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم فيما يقول ويفعله مزبلى بالوسواس عن عبد الله بن مسعود يرفعه : ' إن للملك بقلب ابن آدم لمة ، وللشيطان لمة ، فلمة الملك إيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، ورجاء صالح ثواب ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر ، وتكذيب الحق ، وقنوط من الخير ، فإذا وجدتم لمة الملك ، فحمدوا الله ، واسألوه من فضله ، وإذا وجدتم لمة الشيطان فاستعيذوا بالله واستغفروه ' . وقال له عثمان بن أبى العاص ، قد حال الشيطان بين وبين صلاتى وقراءتى ؟ قال : 'ذاك شيطان يقال له : خنزب ، فإذا أحسسته ، فتعوذ بالله ، واتفل عن يسارك ثلاثاً'. وشكا إليه الصحابة أن أحدهم يجد فى نفسه ما لأن يكون حممة أحب غليه من أن يتكلم به ، فقال : 'الله أكبر ، الله أكبر ، الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ' . وأرشد من بلى بشئ من وسوسة التسلسل فى الفاعلين إلذا قيل له : هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ أن يقرأ ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو بكل شئ عليم ) ' سورة الحديد : 3' وكذلك قال ابن عباس لأبى زميل وقد سأله : ما شئ أجده فى صدرى ؟ قال : ما هو ؟ قال : قلت : والله لا أتكم به ، فقال : أشئ من شك ؟ قلت : بلى ، قال : ما نجا من ذلك أحد فإذا وجدت فى نفسك شيئاً ، فقل : (هو الأول والآخر والظاهر ) الآية . فارشدهم بالآية إلى بطلان التسلسل ببديهة العقل ، وأن سلسلة المخلوقات فى ابتدائها تنتهى إلى أول ليس قبله شئ ، كما تنتهى فى آخرها إلى آخر ليس بعده شئ ، كما أن ظهوره : هو العلو الذى ليس فوقه شئ ، وبطونه هو : الإحاطة التى لا يكون دونه فيها شئ ، ولو كان قبله شئ يكون مؤثراً غيه ، لكان هو الرب الخلاق ، فلابد أن ينتهى الأمر إلى خالق غنى عن غيره ، وكل شئ فقير غليه ، قائم بنفسه ، وكل شئ قائم به ، موجود بذاته ، قدم لا أول له ، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه ، باق بذاته ، وبقاء كل شئ به . وقال صلى الله عليه وسلم : 'لا يزال الناس يتساءلون حتى يقول قائلهم : هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فاستعذ بالله ، ولينته ' وقال تعالى : (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) الآية 'سورة فصلت : 26' ، ولما كان الشيطان نوعين : نوعاً يرى عياناً وهو الإنسى ، ونوعاً لا يرى وهو الجنى ، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكتفى من شر الإنسى بالإعراض والعفو والدفع بالتى هى أحسن ، وشر الجنى بالاستعاذة ، وجمع بين النوعين فى (سورة الأعراف ) و(المؤمنين) و(فصلت) . فما هو إلا الإستعاذة ضارعاً أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب فهذا دواء الداء من شر ما يرى وذاك دواء الداء من شر محجوب فصل وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتد غضبه أن يطفئ جمرة الغضب بالوضوء والقعود إن كان قائماً ، والإضجاع إن كان قاعداً ، والاستغاذة الله من الشيطان ، ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار فى قلب ابن آدم أمر أن يطفئهما بما ذكر ، كقوله تعالى : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون نفسكم ) الآية 'سورة البقرة : 44' ، وهذا إنما يحمل عليه شدة الشهوة فأمرهم بما يطفئوا به جمرتها ، وهو الاستعانة بالصبر والصلاة ، وأمر تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند نزغاته . ولما كانت المعاصى كلها تتولد من الغضب والشهوة ، وكام نهاية قوة الغضب القتل ، ونهاية وة الشهوة الزنا ، قرن بينهما فى سورة 'ألأنعام' و'الإسراء' و'الفرقان' . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال : ' الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ' وإذا رأى ما يكره قال : 'الحمد لله على كل حال' ، وكان يدعو لمن تقرب إليه بما يحب ، فلما وضع به ابن عباس وضوءه قال : 'اللهم فقهه فى الدين ، وعلمه التأويل' . وقال لأبى قتادة لما دعمه بالليل لما مال عن راحلته : 'حفظك الله بما حفظت به نبيه ' وقال : 'من صنع ليه معروف فقال لفاعله : جزاك الله خيراً . فقد أبلغ فى الثناء ' وقال للذى أقرضه لما وافاه : ' بارك الله لك فى أهلك ومالك ، إنما جزاء السلف الحمد والأاء ' وإذا أهديت إليه هدية كافأ بأكثر منها ، وإن لم يردها اعتذر إلى مهديها ، كقوله للصعب 'إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ' . وأمر أمته إذا سمعوا نهيق الحمار : ان يستعيذوا بالله من الشيطان الرجبم ، وإذا سمعوا صياح الديك : أن يسألوا الله من فضله . ويروى : أنه أمرهم بالتكبير عند الحريق ، فإنه يطفئه ، وكره لأهل المجلس أن يخلو مجلسهم من ذكر الله عز وجل ، وقال : 'من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ' والترة : الحسرة . وقال : ' من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه ، فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، استغفرك ، وأتوب إليك إلا غفر له ما كان فى مجلسه ذلك ' ،فى سنن أبى داود أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أراد أن يقوم من المجلس ، فسئل عنه ، فقال : 'كفارة لما يكون فى المجلس ' .