مختصر زاد المعاذ الصفحة 10 من 36

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فصل وكان أذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه ، وإن سأله منها من لا يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتس. وكان من هديه تفريقها علي المستحقين في بلد المال ، وما فضل عنهم منها حمل إليه ففرقه ، وكذلك كان يبعث سعاته الي البوادي ، ولم يكن يعثهم الي القري بل امر معاذا ان يأخذها من أهل اليمن ويعطيها فقراءهم . ولم يكن من هديه أن يبعث سعاته إلا أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزرع والثمار وكان يبعث الخارص يخرص علي أهل النخيل تمر نخيلهم وعلي أهل الكروم كرومهم ، وينظر كم يجئ منه وسقاً، فيحسب عليهم من الزكاة بقدره ، وكان يأمر الخارص أن يدع لهم الثلث أو الربع فلا يخرصه لما يعرو من النوائب . وكان هذا الخرص لكي تحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار ، وتفرق وليتصرف فيها اربابها بما شارؤوا،ويضمنوا قدر الزكاة. ولم يكن من هديه أخذها من الخيل ولا الرقيق ولا البغال ولا الحمير و الخضروات ولا المباطخ ولا المقاثي والفواكه التي لا تكال ، ولا تدخر ، إلا العنب والرطب ، فلم بفرق بين رطبه ويابسة ، وكان إذا جاء الرجل بالزكاة دعا له ن فتاره يقول : ' اللهم بارك فيه وفي إبله' وتارة يقول : اللهم صل عليه' . ولم يكن هديه أخذ كرائم الأموال بل وسطه، وكان ينهي المتصدق أن يشتري صدقته ن وكان يبيح للغني أن يأكل منها إذا أهداها إليه الفقير، وكان أحيانا يستدين لمصالح المسلمين علي الصدقة ، وكان يسم إبل الصدقةبيده ، وإذا عراه أمر ، استسلف الصدقة من أربابها ، كما استسلف من العباس صدقة عامين . وفرض زكاة الفطر عليه وعلي من يمونه من صغير وكبير صاعاً من تمر أو شعير أو أقط أو زبيب ، وروي عنه : ' صاعاً من دقيق' وروي عنه : ' نصف صاع من برّ'. مكان الصاع من هذه الأشياء ، ذكره أبو دواد، وفي ' الصحيحين' أن معاوية هو الذي قوّم ذلك . وكان من هديه إخراجها قبل صلاة العيد ، وفي ' الصحيحين ' عن ابن عمر قال: أمر رسول صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن يؤدي قبل خروج الناس إلي الصلاة. وفي ' السنن' عنه : ' من أداها قبل الصلاة ، فهي زكاة مقبوله ، ومن أداها بعد الصلاة ن فهي صدقة من الصدقات 'ومقتضي هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد ، وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة ، وهذا هو الصواب، ونظيره ترتيب الأضحيه علي صلاة الأمام ، لا علي وقتها وأن من ذبح قبلها فهي ، فهي شاة لحم. وكان من هديه تخصيص المساكين بها ، ولم يكن يقسمها علي الأصناف الثمانية ولا فعله أحد من أصحابه ، ولا من بعدهم. فصل في هدية e في صدقة التطوع كان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده ، ولا يستكثر شيئاً أعطاه الله ، ولا يستقله ، وكان لا يسأل أحد شيئاً عنده إلا أعطاه ، قليلاً كان أو كثيراً ، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سروره الآخذ بما أخذه ، وكان إذا عرض له محتاج ، آثره لى نفسه ، تارة بطعامه ، وتارة بلباسه . وكان يتنوع فى اصناف إعطائه وصدقته ، فتارة بلهدية ، وتارة بالصدقة ، وتارة بالهبة ، وتارة بشراء الشئ ، ثم يعطى البائع السلعة والثمن ، وتارة يقترض الشئ ، فيرد أكثر منه ، ويقبل الهدية ، ويكافئ عليها بأكثر منها ، تلطفاً وتنوعاً فى ضرورة الإحسان بكل ممكن ، وكان إحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله ، فيخرج ما عنده ، ويأمر بالصدقة ، ويحض عليها ، فإذا رآه البخيل ، دعاه حاله إلى البذل . وكان من خالطه لا يملك نفسه عن السماحة ، ولذلك كان أشرح الخلق صدراً ، وأطيبهم نفساً ، فإن للصدقة والمعروف تأثيراً عجيباً فى شرح الصدر ، فانضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالرسالة وخصائصها وتوابعها ، وشرح صدره حساً ، وإخراج حظ الشيطان منه . وأعظم أسباب شرح الصدر التوحيد ، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه ، قال الله تعالى : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) (سورة الزمر : 22) . وقال تعالى : (فمن يًرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) الآية (سورة الانعام : 125) . ومنها النور الذى يقذفه الله فى القلب ، وهو نور الإيمان ، وفى الترمذى مرفوعاً 'إذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح' الحديث . ومنها العلم ، فإنه يشرح الصدر ، ويوسعه ، وليس هذا لكل علم ، بل للموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ومنها الإنابة إلى الله ، ومحبته بكل القلب ، وللمحبة تأثير عجيب فى انشراح الصدر ، وطيب النفس ، وكلما كانت المحبة أقوى ، كان الصدر أشرح ، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين . ومنها دوام الذكر ، فللذكر تأثير عجيب فى انشراح الصدر ، ومنها الإحسان إلى الخلق ، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه ، والنفع بالبدن ، وأنواع الإحسان . ومنها الشجاعة ، فإن الشجاع منشرح الصدر . وأما سرور الروح ولذتها ، فمحرم على كل جبان ، كما هو محرم على كل بخيل ، وعلى كل معرض عن الله ، غافل عن ذكره ، جاهل به وبدينه ، متعلق القلب بغيره ، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض ، ولا بضيق صدر هذا لعارض ، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها ، وإنما المعول على الصفة التى قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه ، فهى الميزان . ومنها بل من أعظمها إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة ، ومنه نرك فضول النظر والكلام ، والاستماع والخطة ، والأكل والنور .