مختصر تفسير سورة الأنفال الصفحة 1 من 6

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

ذكر ما نزل من القرآن في وقعة بدر:
قال ابن عباس نزلت سورة الأنفال في بدر وعن أبي أمامة قال سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن نفينا عنه العدو وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فساءت فيه أخلاق فانتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين ونزلت يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الآية))، قال الترمذي حديث حسن.
وقوله: ((فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)) قال ابن عباس: ((هذا تحريج من الله أن يتقوى ويصلحوا ذات بينهم)) وقوله: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)) هو الذي يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فيجل قلبه، وقال ابن عباس: ((وجلت قلوبهم فأدوا فرائضه)) وقوله: ((وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا)) قال ابن مسعود: ((ما جالس أحد القرآن فقام سالما))، وقوله: ((وعلى ربهم يتوكلون)) ثم قال: ((الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم)) لما ذكر أعمال القلب نبه على أعمال الجوارح، وقال الضحاك في قوله: ((لهم درجات عند ربهم)): ((أهل الجنة بعضهم فوق بعض فيرى الذي هو فوق فضله ولا يرى الذي هو الأسفل أنه فضل عليه أحد)).
وقوله: ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون. يجادلونك في الحق من بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)) روي عن أبي أيوب أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: ((أني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها فقلنا: نعم فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بخروجكم؟ فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ثم قال: ما ترون في قتال العدو؟ فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو: إذا يا رسول الله لا نقول كما قال قوم موسى: ((اذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)) بل نقاتل من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله: ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الآية))، قال السدي: ((بعدما تبين لهم)) أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به)).
وقوله: ((وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذلك الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون)) روى أحمد عن ابن عباس ((قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء فناداه العباس وهو أسير أنه لا يصلح لك لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعد)).
وقوله: ((ليحق الحق)) ليس تكرير لأن الأول تمييز بين الإرادتين وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة فأنه ما فعل إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض.
وقوله: ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم)) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل القبلة وعليه رداؤه ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبدا)) فما زال يستغيث بربه حتى التزمه الصديق من ورائه فقال: يا رسول الله يكفيك بعض مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ((مردفين)) أي متتابعين، وقوله: ((وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم)) وإلا فهو قادر على نصركم ولهذا قال: ((وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم)) أي له العزة ولمن آمن به حكيم فيما شرعه من القتال مع القدرة على إهلاكهم بدونه.
وقوله: ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)) يذكرهم الله تعالى ما أنعم عليهم من إنزال النعاس عليهم في ذلك الموطن قال ابن مسعود النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة (ومجالس الذكر) من الشيطان)) وقد أصابهم يوم أحد أيضا.
وقوله: ((وينزل عليكم من السماء ماء)) الآية وذلك أنهم حين ساروا إلى بدر كان بينهم وبين الماء رمل فأصاب المسلمين ضعف وألقى الشيطان في قلوبهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين فأمطر الله عليهم فشربوا واطهروا وتلبد الرمل للناس والدواب وقوله: وليربط على قلوبكم)) أي بالصبر والإقدام على الأعداء وهو شجاعة الباطن ويثبت به الأقدام وهو شجاعة الظاهر.
وقوله تعالى: ((إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار)) هذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى ليشكروه عليها وهو أنه تبارك وتعالى وتقدس أوحى إلى الملائكة أن ثبتوا الذين آمنوا وآزروهم، وقبل الإلقاء في قلوبهم الظفر ((سألقي في قلوب الذي كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)) أي اضربوا الرقاب أو الرءوس، والبنان الأطراف وهي أيديهم وأرجلهم، قال الربيع كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار))، وقوله: ((ذلك بأنهم شاقوا الله)) أي ما وقع عليهم بسبب هذه المشاقة والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو لكل أحد وذلكم خطاب للكفرة، والمعنى ذوقوا هذا العاجل مع الذي لكم في الآخرة.