مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الصفحة 6 من 40

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الدليل السادس قصة بني عبيد القداح فإنهم ظهروا على راس المائة الثالثة. فادعى عبيد الله: أنه من آل على بن أبي طالب، من ذرية فاطمة، وتزيي بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله. فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب. وصار له دوله كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده. ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام، وإقامة الجمعة والجماعة. ونصبوا القضاة والمفتيين. لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم. فأجمع أهل العلم: أنهم كفار، وأن دارهم دار حرب، مع إظهارهم شعائر الإسلام. وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر. ومع ذلك: أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى أن بعض أكابر أهل العلم المعروفين بالصلاح قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين. ورميت بالتسعة بني عبيد. ولما كان زمان السلطان محمود بن زنكي أرسل إليهم جيشاً عظيماً بقيادة صلاح الدين. فأخذوا مصر من أيديهم. ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين. فلما فتحها السلطان محمود فرح المسلمون بذلك أشد الفرح. وصنف ابن الجوزي في ذلك كتاباً سماه (( النصر على مصر)). وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم، مع ما ذكرنا من إظهارهم شرائع الإسلام الظاهرة. فانظر ما بين هذا وبين ديننا الأول : أن البدو إسلام، مع معرفتنا بما هم عليه من البراءة من الإسلام كله، إلا قول (( لا إله إلا الله)) ولا تظن أن أحداً منهم يكفر إلا إن انتقل يهودياً أو نصرانياً. فإن آمنت بما ذكر الله ورسوله، وبما أجمع عليه العلماء، وتبرأت من دين آبائك في هذه المسألة، وقلت: آمنت بالله وبما أنزل الله، وتبرأت مما خالفه باطناً وظاهراً، مخلصاً لله الدين في ذلك، وعلم الله ذلك من قبلك، فأبشر. ولكن أسال الله التثبيت. واعرف أنه مقلب القلوب. الدليل السابع قصة التتار وذلك: أنهم بعد ما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا، وسكنوا بلاد المسلمين، وعرفوا دين الإسلام: استحسنوه وأسلموا. لكن لم يعلموا بما يجب عليهم من شرائعه. وأظهروا أشياء من الخروج عن الشريعة، لكن كانوا يتلفظون بالشهادتين، ويصلون الصلوات الخمس والجمعة والجماعة. وليسوا كالبدو، ومع ذلك كفروهم العلماء، وقاتلوهم وغزوهم. حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين. وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله. وأما من أراد فتنته: فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك. ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة، من قتل من أتي بأمور يكفر بها- ولو كان يظهر شعائر الإسلام – وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان من أعلم الناس وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر، مثل الحلاج وأمثاله، ومن هو من الفقهاء المصنفين، كالفقيه عمارة. فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات. ولا نعرف فيهم رجلا واحداً بلغ كفره كفر البدو الذين يقولون عنهم – من يزعم إسلامهم- : إنه ليس معهم من الإسلام شعرة إلا قول: (( لا إله إلا الله)) ولكن من يهد الله فهو المهتدي. ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. والعجب أن الكتب التي بأيديهم، والتي يزعمون أنهم يعرفونها ويعلمون بها: فيها مسائل الردة. وتمام العجب: أنهم يعرفون بعض ذلك ويقرون به، ويقولون من أنكر البعث كفر. ومن شك فيه كفر. ومن سب الشرع كفر. ومن أنكر فرعاً مجمعاً عليه كفر. كل هذا يقولونه بألسنتهم. فإذا كان من أنكر الأكل باليمين. أو أنكر النهي عن إسبال الثياب، أو أنكر سنة الفجر أو الوتر: فهو كافر. ويصرحون أن من أنكر الإسلام كله وكذب له، واستهزأ بمن صدقه: فهو أخوك المسلم، حرام الدم والمال، ما دام يقول: (( لا إله إلا الله)) ثم يكفروننا ، ويستحلون دماءنا وأموالنا، مع أنا نقول (( لا إله إلا الله)) فإذا سئلوا عن ذلك؟ قالوا: من كفر مسلماً فقد كفر. ثم لم يكفهم ذلك حتى أفتوا لمن عاهدنا بعهد الله ورسوله: أن ينقض العهد وله في ذلك ثواب عظيم، ويفتون من عنده أمانة لنا، أو مال يتيم: أنه يجوز له أكل أمانتنا، ولو كانت مال يتيم، بضاعة عنده أو وديعة، بل يرسلون الرسائل لدهام بن دواس وأمثاله: إذا حاربوا التوحيد ونصروا عبادة الأصنام، يقولون: أنت يا فلان قمت مقام الأنبياء. مع إقرارهم أن التوحيد- الذي ندعوا إليه، وكفروا به وصدوا الناس عنه هو دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن الشرك الذي نهينا الناس عنه، ورغبوهم هم فيه، وأمروهم بالصبر على آلهتهم- أنه الشرك الذي نهى عنه الأنبياء. ولكن هذه من أكبر آيات الله، فمن لم يفهمها فليبك على نفسه. والله سبحانه وتعالي أعلم.