مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الصفحة 3 من 40

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

فأعطاه دار الندوة، والحجاية، واللواء ، والسقاية ، والرفادة، وهي خرج تخرجه قريش في الموسم من أمواله إلى قصي ، فيصنع به طعاماً للحجاج، يأكل من لم يكن له سعة ولا زاد. لأن قصياً فرضه على قريش. فقال لهم: إنكم جيران الله وأهل بيته. وإن الحاج ضيف الله، و هم أحق الضيف بالكرامة. فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا. وكان قصي لا يخالف، ولا يرد عليه شيء صنعه. فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم. ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ما بيد عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك فتفرقت قريش: بعضهم معهم. وبعضهم مع عبد الدار. فكان صاحب أمر عبد مناف: عبد شمس. لأنه أسنهم. وصاحب أمر بني عبد الدار: عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فعقد كل قوم حلفاً مؤكداً. فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً. فغمسوا أيديهم فيها، ومسحوا بها الكعبة. قسموا (( المطيبين)) وتعاقد بنو عبد الدار وحلفاؤهم فسموا (( الأحلاف)) ثم تداعوا إلى الصلح، على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فرضوا. وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: ((كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)). وأما حلف الفضول: فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه وهم : بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم ابن مّره ، تعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها، أو ممن دخلها، إلا قاموا معه، حتى ترد إليه مظلمته ، فقال الزبير بن عبد المطلب: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا أن لا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تحالفوا وتعاقدوا فالجار والمعتر فيهم سالم فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف. لأن عبد شمس سَفّار، قلما يقيم بمكة. وكان مُقلاً ذا ولد. وكان هاشم موسراً، وهو أول من سن الرحلتين، رحلة الشتاء والصيف. وأول من أطعم الثريد بمكة، فقال بعضهم:. عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف ولما مات هاشم ولى ذلك المطلب بن عبد مناف. فكان ذا شرف فيهم، يسمونه الفياض لسماحته. وكان هاشم قدم المدينة. فتزوج سلمى بنت عمرو، من بني النجار، فولدت له عبد المطلب. فلما ترعرع خرج إليه المطلب ليأتي به، فأبت أمه. فقال: إنه يلي مُلك أبيه. فأذنت له. فرحل به. وسلم إليه ملك أبيه. فولى عبد المطلب ما كان أبوه يلي. وأقام لقومه ما أقام آباؤه. وشرف فيهم شرفاً لم يبلغه أحداً من آبائه. وأحبوه وعظُم خطره فيهم. ثم ذكر قصة حفر زمزم، وما فيها من العجائب. ثم ذكر قصة نذر عبد المطلب ذبح ولده، وما جرى فيها من العجائب. ثم ذكر الآيات التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولادته، وبعدها. وما جرى له وقت رضاعة وبعد ذلك. ثم ذكر كفالة أمه له. ثم كفالة جدة، ثم كفالة عمه أبي طالب. ثم ذكر قصة بحيري الراهب وغيرها من الآيات. ثم ذكر تزوجه خديجة، وما ذكر لها غلامها ميَسْرة، وما ذكرته هي لورقة، وقول ورقة: لحجت وكنت في الذكرى لجوجاً لهم طالما بعث النّشيجا إلى آخرها. ثم ذكر حكمة صلى الله عليه وسلم بين قريش في الحَجَر الأسود عند بنائهم الكعبة. وذكر قصة بنائها. وذكر أمر الحُمس- وقال: إن قريشاً ابتدعته رأياً رأوه. فقالوا: نحن بنو ابراهيم ، وأهل الحرم، وولاة البيت. فليس لأحد من العرب مثل حقنا. فلا تعظموا أشياء من الحل مثلما تعظمون الحرم، لئلا تستخف العرب بحرمتكم. فتركوا الوقوف بعرفة، والإفاضة منها، مع معرفتهم أنها من المشاعر، ومن دين إبراهيم. ويرون لسائر العرب أن يقفوا بها، ويفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم. فلا ينغبي لنا أن نخرج منه. نحن الحمس. و((الحمس)) أهل الحرم. ثم جعلوا لمن وُلدوا من العرب من أهل الحرم: مثل مالهم بولادتهم إياهم. أيحل لهم ما يحل لهم. ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخُزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أموراً، فقالوا: لا ينبغي للحُمسْ أن يقطوا الأقطَ، ولا أن يَسْلوا السمن وهم حُرم ، ولا يدخلوا بيتاً من شَعر، ولا يستظلوا إلا في بيوت الآدمَ ما داموا حرماً. ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حجاجاً أو عُمّاراً. ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا – أول طوافهم- إلا في ثياب الحمس. فإن لم يجدوا منها شيئاً طافوا بالبيت عراة. فإن لم يجد القادم ثياب أحمس: طاف في ثيابه، وألقاها إذا فرغ. ولم ينتفع بها ولا أحد غيره. فكانت العرب تسميها (( اللّقيَ)) وحملوا على ذلك العربَ. فدانت به. أما الرجال: فيطوفون عراة وأما النساء: فتضع المرأة تيابها كلها إلا درعاً مفرجاً ثم تطوف فيه، فقالت امرأة وهي تطوف: اليوم يبدوا بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فلم يزالوا كذلك حتى جاء الله بالإسلام . فأنزل الله: (( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)) وأنزل فيما حرموا : (( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يورى سوءاتكم – إلى قوله- يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد – إلى قوله – لقوم يعلمون)) . وذكر حدوث الرجوم، وإنذار الكهان به صلى الله عليه وسلم ونزول سورة الجن وقصتهم. ثم ذكر إنذار اليهود، وأنه سبب إسلام الأنصار، وما نزل في ذلك من القرآن. وقصة ابن الهيبان، وقوله: (( يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟)) وقوله : (( إنما قدمت هذه البلدة أتوكّف خروج نبي قط أظل زمانه. وهذه البلدة مهاجرة)) إلى آخرها. ثم ذكر قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه. ثم ذكر الأربعة المتفرقين عن الشرك في طلب الدين الحق: وهم ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل. ثم ذكر وصية عيسى ابن مريم عليه السلام باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وما أخذ الله على الأنبياء من الإيمان به والنصر له، وأذن يؤدوه إلي أممهم. فأدوا ذلك. وهو قول الله تعالى : (( وإذا أخذ الله ميثاق النبيين- الآية)). ثم ذكر قصة بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- والقصة في الصحيحين – وفيها: أن أول ما نزل عليه: (( اقرأ باسم ربك الذي خلق- إلى قوله- ما لم يعلم )) ثم أنزل عليه: (( يا أيها المدثر.قُمْ فأنذر . وربّك فكبَّر؟ وثيابك فطهرّ، والرجز فاهجر. ولا تمنن تستكثر . ولربك فاصبر)). فمن فهم أن هذه أول آية أرسله الله بها: عرف أنه سبحانه أمره أن ينذر الناس عن الشرك الذي يعتقدون أنه عبادة الأولياء ليقربوهم إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات. وعرف أن قوله تعالى: (( وربك فكبر)) أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها. وعرف قدر الشرك عند الله وقد التوحيد. فلما أنذر صلى الله عليه وسلم الناس: استجاب له القليل: وأما الأكثر: فلم يتعبوا ولم ينكروا، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم. فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه. وعذبوهم عذاباً شديداً، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فمن فهم هذا: عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعيب دينه وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا . وجرى بينهم وبينهم ما يطول وصفه. وقص الله سبحانه بعضه في كتابه. ومن أشهر ذلك : قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته. وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة. وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقاً له، مادحاً لدينه، محبا لمن اتبعه، معادياً لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه. ولم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضي بمسبة آبائه. ولولا ذلك لاتبعه. ولما مات – وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له – أنزل الله عليه : ((ما كان للنبي والذي آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربي، من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم)). فيالها من عبرة ما أبينها! ومن عظة ما أبلغها! ومن بيان ما أوضحه! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق فيمن أحب الحق وأهله، من غير اتباع للحق، لأجل غرض من أغراض الدنيا. ومما وقع أيضاً: قصته صلى الله عليه وسلم معهم – لما قرأ سورة النجم بحضرتهم – فلما وصل إلى قوله : ((أفرأيتم اللاة والعزى ، ومناه الثالثة الأخرى؟)) ألقى الشيطان في تلاوته : تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهم لترتجي. وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وتلقاها الصغير والكبير منهم، وقالوا كلاماً معناه: هذا الذي نريد، نحن نقر أ، الله هو الخالق الرازق، المدبر للأمور، ولكن نريد شفاعتها عنده. فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف. واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها. فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه. وشاع الخبر: أنهم صافوه، حتى أن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة، فركبوا البحر راجعين لظنهم أن ذلك صدق. فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خاف أن يكون قاله. فخاف من الله خوفاً عظيماً، حتى أنزل الله عليه: (( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمني ألقى الشيطان في أمنيته – إلى قوله- عذاب يوم عقيم)). فمن عرف هذه القصة، وعرف ما عليه المشركون اليوم، وما قاله ويقوله علماؤهم ، ولم يميز بين الإسلام الذي أتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه، وهو الشرك الأكبر: فأبعده الله. فإن هذه القصة في غاية الوضوح، إلا من طبع الله على قلبه وسمعه. وجعل على بصره غشاوة ، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس، كما قال الله تعالى في أهل افهم الذين لم يوفقوا: (( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه. وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة. فما أغني عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء – الآية)). ثم لما أراد الله إظهار دينه ، وإعزاز المسلمين: أسلم الأنصار – أهل المدينة- بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود. وذكرهم لهم النبي وصفته، وأن هذا زمانه وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه، ويتوعدونهم به- لمعرفتهم أن العز لمن اتبعه- يكفرون به ويعادونه. وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفرو. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)). فملا أسلم الأنصار: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين بالهجرة إلى المدينة. فهاجروا إليها. وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة. فهو قوله تعالى : (( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره- الآية)) . وفوائد الهجرة، والمسائل التي فيها كثيرة، لكن نذكر منها مسألة واحدة. وهي: أن ناساً من المسلمين لم يهاجروا، كراهة مفارقة الأهل، والوطن والأقارب، فهو قول الله تعالى: (( قل آن كان آباؤكم وأبناؤكم، وإخوانكم وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها ، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله. فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)). فلما خرجت قريش إلى بدر: خرجوا معهم كرها. فقتل بعضهم بالرمي، فلما علم الصحابة: أن فلاناً قتل، وفلاناً قتل، تأسفوا على ذلك، وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله تعالى فيهم: (( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض- إلى قوله- وكان الله غفوراً رحيماً)).