محور المقاومة بين واقع الحقيقة ووهم المصالح الطائفية ا من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

هوارد زن، المؤرخ الامريكي الذي يعد نصيرا مثاليا وحضاريا للضمير الشعبي الامريكي المعاصر المناوئ لكل اشكال الحروب التي خاضتها وتخوضها الحكومة الامريكية ضد الشعوب في العالم، هو ذاته اليهودي الذي قال عن الكيان الصهيوني: ’ ‘قوة توسعية’ تستخدم، شأنها شأن الولايات المتحدة، عبارات مثل ‘الأمن القومي’ و ‘الدفاع القومي’ لتبرير التوسع والعدوان، وأن بناء وطن قومي لليهود لم يكن يمثل له في أية لحظة تطوراً مرحباً به’ وأضاف بأن: ‘سياسات إسرائيل منذ ميلادها أكدت مخاوفه’ ويقول ايضا: ‘لم يتبادر إلى ذهني – لم أكن أعرف إلا أقل القليل عن الشرق الأوسط - أن تأسيس دولة يهودية كان يعني التخلص من الأغلبية العربية التي عاشت على تلك الأرض’.
وهو من يقول بصوت واضح جلي: ‘لا يوجد علم كبير إلى حد يكفي لتغطية عار قتل ناس أبرياء’.
من هنا يمكننا النفاذ الى الفكرة الاساسية التي من شأنها ان تتخذ محاور عدة في الاتجاهات المتضاربة ليس فكرا واعتقادا نابعا من وجه الحق والحقيقة، وانما من صراعات بين الحاكم والمحكوم، ومن يقف في صف هذا وذاك، لاعتبارات تحكمها المصالح وتربطها وشائج التشابه والمحاكاة في الفعل والقول والتنفيذ.
عندما دعا هوارد زن جمهور مكتبة نيو بورت بيتش الى التفكير الجدي بالحرب المعلنة على الارهاب بعد احداث 11/9 على انها دعوى غير ناضجة او مكتملة الواقعية، وانها تخفي بأعماقها نوايا وخطط لا تتعلق بواقع الامن وتحقيق العدالة، حين وصل في اليوم التالي لدعوته الى مرفأ ثانوية نيو بورت وجد الطلبة تحمل نسخا من كتابه ’ تاريخ شعبي’ وحين دخل الى الندوة سأله احد الطلاب بشكل مباشر وواضح ودون أي التفاف او مداورة ’ إن كان يحب الولايات المتحدة حقا’؟ كانت اجابته ايضا مباشرة وواضحة لا تحمل وجها مخالفا لوجه الفكرة التي يتقنها ويؤمن بها ’ انا احب الشعب، اما الحكومة فلست متأكدا من حبي لها’. واخذ يوضح للطلاب الفرق بين ارادة الشعب وارادة الحكومة، حيث تنبني فكرته على ان الشعب هو الذي يختار الحكومة وفق منظومة من القيم التي عليها ان تتقيد بها، لهذا فان الشك بما تقوله القيادة ليس عيبا او معاداة لنظام الحكم، لان الشعب من حقه مراقبة اداء الحكومات وانتقادها ومحاسبتها اذا غيرت في العقد الموقع بينها وبين الشعب، فاذا ما تحولت الحكومة الى اداة للهدم بدلا من البناء، من خلال الفساد، فان من حق الشعب في هذه اللحظة التحرك من اجل التخلص من الحكومة وفق انظمة التشريع والقانون.
ما حصل في البلدان العربية، من ثورات، هو ترجمة حقيقية لفكرة العدالة التي طالب بها هوارد، مع فارق بسيط، بان الحكومات في الوطن العربي هي حكومات شمولية بما تعني الكلمة من معنى، لهذا فان الثورات التي اندلعت انما هي نتاج تراكم مطرد من الظلم والعذاب الذي حاق بالإنسان وكرامته وعزته منذ اعتلاء القادة للحكم وحتى يومنا هذا، وهو ما يدفعنا الى القول الواضح بان ربيع الثورات قد جاء متأخرا كثيرا عن الوقت الذي كان يجب ان تتحرك فيه الشعوب من اجل انتزاع كرامتها.
وما يهمني بشكل واضح الثورة السورية وما يحيط بها من اشكالات وتناقضات معقدة ادت الى منح طاغيتها القوة والجرأة لممارسة مذابح يومية، ومجازر معلنة، وتهجير الناس واقتلاعهم من جذورهم ووطنهم اقتلاعا لم يتشابه الا مع حركات الاستعمار التي مارست التطهير العرقي من اجل احلال عصاباتها مكان الشعوب الاصلية.