ما الواجب على الحامل  والمرضع إذا أفطرتا لعذر صفحة 6 من 9

بواسطة: د. ربيع أحمد

الوجه الأول : ظاهر كلام ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما – في الآية أنه من قبيل التفسير لا الكلام عن سبب النزول ، ولم يقل سبب نزول الآية كذا أو نزلت في كذا ،و ضابط ما يفسره الصحابي - رضي الله عنه - إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا ،وتفسير ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - متعلق بحكم شرعي مما للرأي فيه مجال فلا يحكم له بالرفع بل هو موقوف .

الوجه الثاني : ثبت عن جمع من الصحابة – رضي الله عنه – أن الآية كانت عامة فيمن يطيق الصيام و كانوا مخيرين بين الصيام والفدية ثم نسخت بقوله تعالى : ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فألزموا فرضَ صومه، وبطل الخيار والفديةُ ،وهذا القول هو الموافق لظاهر القرآن .

الدليل الثاني : قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ » .

وجه الاستدلال : أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن الله تعالى أنّه وضع عن المسافر أمرين هما الصوم وشطر الصلاة، وأنّه وضع عن الحامل والمرضع الصوم، وعند التأمّل والتدقيق نجد أنه- صلى الله عليه وسلم - عبّر بعبارة (وضع عن)، وعبارة وضع عن تعني الإسقاط بلا مطالبة بقضاء ولا إعادة مما يجعل حكم الحامل والمرضع إذا أفطرتا الإطعام دون القضاء .

مناقشة الاستدلال : قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ » معناه : أنه وضَع عن الحامل والمرضع الصومَ ما دامتا عاجزتين عنه، حتى تُطيقا فتقضيا، كما وُضع عن المسافر في سفره، حتى يقيم فيقضيه - لا أنهما أُمِرتا بالفدية والإفطار بغير وجوب قضاء، ولو كان في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:” إن الله وضع عن المسافر والمرضع والحامل الصوم” ، دلالةٌ على أنه - صلى الله عليه وسلم -إنما عنى أن الله تعالى ذكره وضع عنهم بقوله :”وعلى الذين يُطيقونه فدية طعامُ مسكين”، لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاء، وأن لا يلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جمع بين حُكمه وبين حكم الحامل والمرضع. وذلك قولٌ، إن قاله قائلٌ، خلافٌ لظاهر كتاب الله، ولما أجمع عليه جميع أهل الإسلام .

الدليل الثالث : عن عزرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : ” إذا خَافت الحاملُ على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكانَ كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا ” ،و عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ” أنه رَأى أمَّ ولدٍ له حاملا أو مُرضعًا، فقال: أنت بمنزلة الذي لا يُطيقه، عليك أن تطعمي مكانَ كل يوم مسكينُا، ولا قَضَاء عليك ” . وَعَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ امْرَأَتَهَ سَأَلَتْهُ وَهِيَ حُبْلَى فَقَالَ: أَفْطِرِي , وَأَطْعِمِي عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا , وَلاَ تَقْضِي وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَوِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: «الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرُ وَلَا تَقْضِي» ،و لأنَّ قول ابن عبَّاسٍ وابن عمر -رضي الله عنهم - انتشر بين الصحابة ولم يُعلم لهما مخالفٌ مِن الصحابة فهو حجَّةٌ وإجماعٌ عند جماهير العلماء، وهو المعروفُ عند الأصوليين بالإجماع السكوتيِّ .

مناقشة الدليل : لا دليل على انتشار قول ابن عبَّاسٍ وابن عمر - الله عنهم - رضي ولا يعرف هل وافقهما غيرهما أو خالفهما فلا يجزم بأحدهما أضف إلى ذلك أن القرآن والسنة فيهما ما يخالف قول ابن عبَّاسٍ وابن عمر - الله عنهم - ،وقول الصحابي يكون حجة - عند القائلين بحجيته - إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عرف نص يخالفه .