ما الواجب على الحامل  والمرضع إذا أفطرتا لعذر صفحة 4 من 9

بواسطة: د. ربيع أحمد

فعلى القول بإحكام الآية دخلت الحامل والمرضع، وعلى القول بالنسخ احتملتهما الآية فترجّح أن حكمهما الإطعام لا القضاء .

مناقشة الاستدلال : القول بأن الآية محكمة في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع وغير منسوخة لا يصح لوجوه منها :

الوجه الأول : الآية صريحة فيمن يطيق الصيام، والذي يطيقه هو القادر عليه ، لا العاجز عنه ،و الشيخ الكبير إما لا يستطيع الصوم أو يصوم بمشقة شديدة فكيف يقال أن الآية قد نزلت فيه ؟!!.

الوجه الثاني : لو كانت الآية في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له : ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ إذ أنه لا يطيق الصيام فهل يقال للشخص العاجز الذي لا يستطيع الصيام أنك تطيق الصيام لكن عليك فدية، وأن تصوم خير لك ؟!! وعليه فالآية فيمن يستطيع أن يصوم أي: الصوم خير لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ لا يجوز ، أن يقال: الصوم خير من الإفطار والفدية .

الوجه الثالث : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَعُودَ هَذَا الْكَلامُ إِلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَلا إِلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ المتضررتا من الصوم ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ فِي حَقِّ هَؤُلاءِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا أَنْ يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلتَّلَفِ، وَإِنَّمَا عَادَ الْكَلامُ إِلَى الأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ خُيِّرُوا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ فَانْكَشَفَ بِمَا أوضحنا أن الآية منسوخة .

الوجه الرابع :ليس الصوم خير للحامل والمرضع إذا كان الصوم سيضر بأولادهما بل في هذه الحال منهيان عن الصوم إذ لا ضرر و لاضرار ،ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح .

الوجه الخامس : ثبت عن بعض الصحابة أن الآية منسوخة فقد قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ : نَسَخَتْهَا ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ، وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ،وعن عَمْرُو بْن مُرَّةَ قال حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :” نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَنَسَخَتْهَا: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ ” وعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، قَرَأَ: ﴿ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ ﴾ قَالَ : « هِيَ مَنْسُوخَةٌ » ،وعَنْ يَزِيد مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: ” لَمَّا نَزَلَتْ : ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ ، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا » .

و تفسير يُطِيقُونَهُ بلَا يُطِيقُونَهُ أي ِبتَقْدِيرِ لَا النَّافِيَةِ يخَالِفُ ظَاهِرَ الْآيَةِ، لِأَنَّ الآية تقتضي إثبات الْإِطَاقَةَ لِقَوْلِهِ : ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ وهذا التفسير ينفيها .

و الاستدلال بقراءة ” يُطَوَّقُونَهُ ” لا يصح لوجوه :

الوجه الأول : أَنَّهَا شَاذَّةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمَشَاهِيرُ فَلا يُعَارَضُ مَا تثبت الحجة بنقله ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَرِضَ بِالشُّذُوذِ عَلَى مَا نَقَلَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي قِرَاءَتِهِمْ وَفِي مَصَاحِفِهِمْ ظَاهِرًا مَكْشُوفًا وَمَا نُقِلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - وَمَحْظُورٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَارِضُوا مَا تَثْبُتْ بِهِ الْحُجَّةُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالظُّنُونِ وَالْأَوْهَامِ وَالشُّذُوذِ .

والوجه الثاني: قراءة يطوقونه بالتشديد فلا تدل على مشقة تصل بصاحبها إلى جواز الفطر بعد إيجاب الصوم من غير تخيير بل تدل على مشقة ما ولا شك أن كل صوم فيه مشقة ما خصوصا أول مشروعيته .

وَالوجه الثَّالِثُ: الآية ختمت بـ ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ،و غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَعُودَ هَذَا الْكَلامُ إِلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَلا إِلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ، لِأَنَّ الْفِطْرَ فِي حَقِّ هَؤُلاءِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا أَنْ يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلتَّلَفِ، وَإِنَّمَا عَادَ الْكَلامُ إِلَى الأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ خُيِّرُوا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ ،والله يريد لنا اليسر لا العسر .