لقمة عيش وزوادة الصفحة 3 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

صوت اخر... - يا رب يسر ولا تعسر، نحن رمينا همنا وحملنا عليك، أنت الكبير ولا كبير غيرك، أنت الكريم وأنت الرزاق، أنت الحامي ولا حامي غيرك. وفي لحظة توجهت أنظار الجميع نحو اليهود وهم ينزلون احد الشباب من السيارة التي يقومون بتفتيشها، أداروه نحو الحائط وأمروه أن يرفع يديه ويلصقهما بالحائط مع المباعدة بينهما مباعدة تامة، ثم أمروه بان يرجع جسده وقدميه للوراء وهم يضربون بالعصا على موضع الكليتين، وأخيرا بدأوا بمباعدة قدميه إحداها عن الأخرى، فأصبح جسده معلقا بغير اتزان. تقدم احدهم وبدا يفتش الشاب من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه، طريقتة في التفتيش عدائية، تتفجر حقدا، تطفو السادية على كل حركة من حركاته، الصفعات المتتالية والمتلاحقة على خاصرتيه، الضغط ما بين فخذيه، تحسس الجسد بطريقة مذلة، القهقهات الشديدة التي كانت تنطلق من جميعهم حين يحاول الشاب الالتفاف للتحدث إليهم فيفاجأ بلكمات شديدة على وجهه وضربات العصا على جسده. على الشاب أن يبقى مصلوبا هكذا، دون حراك، دون أن يبدل من وضع يديه أو قدميه، وعلى السيارات المصطفة أن تبقى واقفة تشاهد هذا المنظر، ومن يحاول التدخل أو التحرك فان الحائط يتسع لكثير من الأجساد التي يمكن أن تشكل صفا كبيرا في نهاية الأمر. النفوس كلها مشدودة، تغلي، تصليها السنة القهر، تكتسحها مشاعر العجز، تضربها الحيرة. والنساء على الشرفات والعليات تبكي وهي تبتهل إلى الله أن يأخذ بيد الشباب المصلوبين على جدر متفرقة، والأطفال يختزلون في ذاكرتهم صور الكبت والقهر والعذاب، يختزلونها في وعاء خاص داخل جماجمهم التي ستكبر يوما لتكبر معها كل الصور المختزلة، وسيبقى الألم هو النواة التي تشكل تكوينهم النفسي والذهني في المستقبل، وحين يكبرون وتتداعى صور الألم والقهر والكبت والعذاب أمامهم، في رؤوسهم، في صدورهم، في أحاسيسهم، سينتفضوا انتفاضة تلو الأخرى، وسيرسمون بأجسادهم، بدمائهم، بأرواحهم حدود الفصل بين موت الحياة وحياة الموت، وسيتدفقوا كشلالات صافية نقية في عروق الأرض، ليرسم تدفقهم هذا فواصل الحرية والكرامة، وسيرسمون خارطة جديدة لمفهوم الرفض، رفض قواعد الذل والكبت والقهر والعذاب. عندها، سيقف كثير من العالم معلنا دهشته واستغرابه وذهوله من هذه الانتفاضة التي تندفع وتتدفق دون سبب أو مبرر ودون أي وجه للحق، وكما لم يسلم الشباب في حياتهم لأنهم شكلوا سدا رافضا للظلم والهوان، فان دماءهم وهي تنساب في عروق الأرض، لن تسلم من هجوم أولئك الدين يرون لون الدماء بأعين مختلفة. بدا العرق يتصبب من ركاب السيارات المصطفة، عرق غزير، تجلبه حرارة الجو الذي خضع خضوعا تاما لالسنة اللهب المرسلة من الشمس، وحرارة الضغط النفسي المتراكم، إضافة لضغط القهر الصاعق من مشهد المصلوب على الجدار للتسلية ليس إلا. قهر وضغط، الم وعرق، ملح وحرارة، كثير من المشاعر، من الأحاسيس تجول وتجول، في الذهن، في النفس، في الخاطر، تجول بعشوائية، تصطدم، تهز الضلوع، تهز العقل، يحدث اصطدامها دويا هائلا يندفع صداه كشهيق بركان غاضب، لكنه مكبوت. أدعية، قراءة سريعة للقران، قراءة جهرية ' وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون ' تململ، اضطراب، والمشهد، ذات المشهد مستمر. الشاب لم يبق وحيدا، بل أصبح الجدار يغص في صف من الشباب، وعواء اليهود، نباحهم، يزداد ارتفاعا ليتحول لعواء ونباح مسعورين، وأجساد الشباب تصفع بالأكف فيصل صدى الصفعات لاذان الركاب والجيران. والركاب يلفهم العجز، يشلهم الانتظار من اجل المرور لاصطياد لقمة عيش، لقمة خبز للأطفال والنساء الباقين في البيوت ينتظرون المجهول، يحدقون بالطائرات التي تأتي وتروح، يرصدون صوت الدبابات والجيبات، ينتظرون عودة آبائهم أو سقوط صاروخ من أحدى الطائرات، أو قذيفة دبابة، وربما رصاصات تنغرز في أجسادهم لتضيع فرحة الانتظار بعودة الأب، وفرحة الحصول على لقمة العيش من كف والد أخناه الانتظار على الحواجز قبل أن يفتته عذاب العمل ذاته. تحركت السيارات، انطلقت لتقف من جديد على مفرق شويكة المؤدي للجاروشية. حاجز جديد، دبابات، سيارات عسكرية، أشباح وخفافيش، تدقيق في الهوية، في العمر مع سباب وشتائم، احتقار للإنسان، صلف وعنجهية، تعجرف من يملك الدبابة أمام من يحمل هم لقمة العيش للأطفال، معادلة غير متكافئة، غير مفهومة، غير مستوعبة، لكنها حقيقة قائمة فوق كوكب اسمه الأرض، ومن عليه يسمون بالبشر، بالإنسان، بالآدميين. صف اخر من الشباب مصلوب على الحائط، قهر جديد، كبت جديد، ما بين القهر والكبت الأولين وما يتبعهما مسافة قصيرة، قصيرة جدا. تحركت السيارة من جديد وجاء صوت السائق واضحا ' نحن ذاهبون إلى علار ' الجميع يعرف كل جملة، بل هم يحفظون تلك الجمل أكثر من حفظهم لأسمائهم، ' علار باتجاه القرى لا ترتبط بالخط الأخضر، حيث لا عمل، لا خبز، لا لقمة عيش، لذلك يمكنهم الوصول إليها، أما باقة الشرقية أو نزلة عيسى فانهما تشكلان معبرا للوصول إلى رغيف الخبز ولقمة العيش، وهذا خطر كبير، مهول، قد يزلزل الأرض ويفجر براكينها الخامدة. توقفت السيارات من جديد خلف صف طويل من السيارات على مفرق زيتا، حاجز جديد، دبابات، مصفحات، سيارات عسكرية، أشباح وخفافيش، بنادق نهمة حاقدة، عذاب جديد، الم وقهر، عرق وملح، مرارة وكبت، ورغيف خبز يدور أمام الأعين كدورة الأرض في مدار الكون، لقمة عيش وأفواه أطفال ونساء وشيوخ، والأرض لا زالت تسمى بالأرض، ومن عليها يسمون بالإنسان، بالبشر، بالآدميين، وأم إبراهيم تجهز الأطفال للمدرسة، والمخيم يستعد لاستقبال دماء شهداء جدد، والسماء تفتح أبوابها كلها لاستقبال أرواح سوف تصعد من الأجساد لتندمج بروائح الملائكة والسماوات. الطائرات تحلق في الأجواء، ترصد كل شيء، تستعد لاغتيالات دربت على القيام بها، المصفحات تقف على حدود المدينة، ارتال من الدبابات والمجنزرات والجرافات، الشمس تحتضن المدينة وتملاها بالنور والحياة، والأطفال المرتسمة وجوههم بالخوف والرعب الممزوجين ببسمة وداع لامهم وهم يحملون حقائب المدرسة استعدادا ليوم دراسي تحت هدير الدبابات والمصفحات وأزيز الرصاص، أولئك الأطفال الذين لا يعلمون إن كانوا سيعودون لأهلهم أم لا. قبلوا أمهم واندفعوا جريا نحو المدرسة الواقعة على طرف المخيم.