لقمة عيش وزوادة الصفحة 1 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

- صباح الخير يا (أبو إبراهيم)، الدنيا الصبح، الفجر شقشق، امسح وجهك ، اطرد إبليس واذكر الله.
- لا اله إلا الله محمد رسول الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
رفع نفسه من الفراش بتثاقل ملحوظ، استوى في فراشه ووضع رأسه بين كفيه وغاب فيما يشبه السبات، وما هي إلا لحظات حتى ارتفع صوت شخيره ليصل مسامع زوجته في المطبخ. بدأت التبسم وهي تغادر المطبخ متجهة نحوه، وحين وصلته هزته برفق شديد وهي تضع يدها الثانية فوق رأسه.
- أبو إبراهيم وحد الله، عيون الدنيا بدأت تتفتح، وأنت بدلا من فتح عينيك وقلبك معها تحاول اغماضهما. النور قادم. والشمس ستضرب بقوتها غلالات الظلام لتفتح من خلالها شقوقا تتسع لقوتها القادمة لتندفع من قلب العتمة والغيب المتواصل. توكل على الكريم وسلم أمرك كله له، الشاي جاهز، يجب أن تغمر ذاتك بالنشاط لتلحق بصلاة الفجر قبل أن تندفع أشعة الشمس في الأفق الساكن ببقايا ليل بدا رحلة الانسحاب.
- لا اله إلا الله وحده، الله يرضى عليك يا أم إبراهيم، والله اني لا اعرف ماذا كنت سأفعل بدونك، أنت بركة، بركة غامرة يا أم إبراهيم. أصيلة وبنت أصول.
- أسأل الله أن يديمك لنا، ونحن أيضا بدونك لا نساوي شيئا، نفسك في البيت كافي لان نشعر بالفرحة والسعادة والأمان، دخلتك علينا تساوي الدنيا وما فيها. والله، وبكسر الهاء، منذ خروجك وحتى عودتك أبقى مرتبكة، مشوشة، كمن فقدت شيئا عزيزا لا اعرف ما هو، ولا يهدأ لي بال، ولا يقر لي خاطر اوعين إلا حين تدخل البيت وتملأه بأنفاسك وصوتك.
- أصيلة وأخت رجال، وهل كل النساء نساء؟ أنت حنونة قلبي وعمري، وردة روحي، غالية وستظلي غالية.
- حسنا، وهي تبتسم ابتسامة دلال وغنج يسح من كل جوانبها الحنان، أنت شاطر في مثل هذا الكلام، ولا اعرف لماذا خرجت عاملا وليس شاعرا. الدنيا لا تزال صباحا، وأنت مثل الأطفال تبحث عمن يداعبك ويناغيك.
- اتعرفي يا أم إبراهيم، كل صباح عندما تأتي لتوقظيني من النوم وارى وجهك، أحس بحاجة شديدة للبقاء في البيت، أنا لا اعرف لماذا أتعلق بوجهك ورائحة الصباح المنبعثة من بين مسامات جلدك وطيات ملابسك، شيء ما يمغنطني، يجذبني نحو البريق المرتسم في عينيك لينير قلبي وغرفتي قبل أن تبرز الشمس لتنير الكون. أنت يا أم إبراهيم، كل ما فيك له نكهة خاصة، حلوة مثل العسل، مثل التين، حلوة مثل عنب الخليل وبرتقال يافا. ولا اعرف لماذا حين أشم رائحتك أحس برائحة الأرض وهي تدفع رطوبتها وأنفاسها من باطنها. والله، والله الذي يعز ويذل أنني في لحظات كثيرة لا أستطيع التفريق بينك وبين الأرض. أنا احبك بنفس القدر الذي أحب فيه شجرة الزيتون، وللحقيقة فإنني لا اعرف كيف افرق بين عشقي لك وبين عشقي لشجرة الزيتون، بصورة أخرى، وإذا أردت أن تعزلي الغيرة، فأنني لا املك أن أقول لك إلا أن الكلام كله لا يجدي نفعا، لان ما أحس به ليس من اختياري، بل هو شعور مزروع بجذور قلبي وروحي، بصورة أخرى، أنا لست متزوجا منك أنت فقط، بل منك ومن شجرة الزيتون، لأنني، وفي أحايين كثيرة حين أركز بصري عليك وعلى شجرة الزيتون، فإنني أرى كلا منكما تحمل ملامح الأخرى، واراكما تتفجران خضرة ونماء وعطاء.
- الله يديمك يا أبو إبراهيم لنا ولشجرة الزيتون التي أتمنى أن تبقى هي ضرتي، الله يديمك يا نوارة عمري وبيتي، يا أحسن أبو إبراهيم في الدنيا. كلامك حلو، حلو- وهي تضم رأسه بين كفيها وتقبله بحرارة خاصة – لكن ما هو أحلى من كل هذا الكلام، روحك، روحك الخفيفة خفة عصفور الفجر، وأنفاسك العابقة بكل ذرة من ذرات جسدي، وصوتك الذي يقتحم روحي قبل أذني. أنت يا أبو إبراهيم رأسمالي في هذه الدنيا، والدنيا كلها بدونك لا تساوي عندي حبة خردل.
وبعد سهوم قليل بين الاثنين تنتفض أم إبراهيم
- وماذا بعد يا تاج رأسي، يبدو أن غزالتك شاردة هذا اليوم، اترك هذا الكلام لوقت اخر وانهض للصلاة، فالصلاة أولى من كل شيء، الصبح أذن، وصلاة الجماعة فاتتك، اطرد إبليس وامسح وجهك بالرحمن، صلي الصبح وستجدني قد جهزت لك شيئا كي تكسر السفرة، وإنشاء الله زوادتك اليوم من اللون الذي تحبه.
- يا الله، يا رب، يا عزيز، يا كريم.
توجهت أم إبراهيم للمطبخ وكلها سعادة ونشاط وحيوية، وبدأت تعمل بشكل سريع، خطواتها سريعة، متقنة، ورائحة الطعام التي بدأت تنتشر في الأفق لتعطر الجو تسربت من شقوق الجدران والنوافذ والأبواب، وصوت الدعاء المرافق للوضوء كان يتخلل تلك الشقوق والنوافذ والأبواب’ اللهم باعد بين وجهي وبين النار’، ’ اللهم اجعلني من الغر المحجلين يوم القيامة’، وحين وقف على سجادة الصلاة وبدا بتلاوة القران، اندمجت اللحظات والمشاعر، رائحة الطعام، خرير مياه الوضوء، أنفاس الأطفال، بريق عيني أم إبراهيم، الماء المنساب من كفيها، كل شيء اندمج مع سمو اللحظة ورخامة الصوت وروعته. وما أن أتم صلاته حتى انطلق نحو الصغار المصفوفين على الفراش بجانب بعضهم، مسد بيده رؤوسهم برفق وحذر حتى لا يوقظهم، وأم إبراهيم تراقب بعينين حانيتين حنان زوجها وهو ينحني ليطبع على جباه وأيدي واكف وخدود أطفاله قبلاته التي تنعش روحها ونفسها قبل أن تنعش أرواح وأنفاس الأطفال.
- أبو إبراهيم، الطعام جاهز، تعال واكسر السفرة، الله وحده الذي يعلم ما هو شكل يومك هذا، قدم، قدم وسم الله، اسم الله يذهب كل الشياطين، وإياك أن تأكل وتشبع، اجعلها ترويقة، ترويقة صغيرة، لأني جهزت لك زوادة خاصة، أنا اعرف انك ستحبها واعرف انك تموت فيها.