لا تركض في الاتجاه الخاطئ الصفحة 3 من 3

بواسطة: د. صفاء رفعت

الحميد أم وقف به عزمه لعلّة خفية في القلب عن تجريد القصد لله، وكثير منا يطرق باب الالتزام وإلزام النفس بالدين القويم ظاهراً وباطناً فتيَّ العزم في نشاط وإخلاص وهمّة، ثم تتفلت منه النفس دون أن يلحظ وتتراخى قبضته الممسكة بالعروة شيئا فشيئا فلو فتش عنها بعد حين لوجدها تتلبس بسمت أهل الصلاح الظاهر وهي خلو الباطن من كل تدبر أو إنابة أو خشوع، فبدل أن يكون التزامه خطوة البداية لتصحيح عقيدة التوحيد وطلب العلم الذي به قوام حاله وصلاح أمره تجده يتدحرج منحدرا مكتفيا بالقليل المبهم الذي بدأ به الطريق وليس يبلغ به أو يتلقف نوادر العلم، ولطائفا ودروسا متفرقة تترى من هنا وهنا دون تأصيل وتركيز، ودون شفاء الحاجة مما لابد منه للعبد ليصلح به دينه، فيذبل نبت القلب إذ يغيب عنه التقوى، ويتوارى الخشوع، ويستخفي خراب الباطن في بهاء الظاهر. وترى كثيرا منا يلبس كل أفعاله ثوب الشرع، فلا تراه إلا راضيا عن حاله مسلما بالصواب لذاته، ولو فتش في خبيئة نفسه وقدح زناد قصده لوجدها تتبع هواها، معه تسير وعنه تقف وبه تعلل وله تؤوّل وتفترض وتبرر.... وكثير منا يرى إضاءة الحق الأبلج فيغفلها أو يتغافل عنها ويسكن ضميره باتباع شيخ بارز أو عالم يحبه ويرتاح له ويجعل من كلامه حجة الرأي وقطع الاختلاف وفاصلة الخلاف، ولا يريد أن يبحث عن الحق بنفسه التي ستحاسب عن نفسها لن يغني عنها أحد من الله شيئا يسلم لغيره زمامها ويركن لقوله وفعله وفهمه وتأويله ولو نازعته بصيرة الحق فيه أسكت النزاع لعلة في قلبه فلربما لا يضيء قبس بصيرته بعد. فالحذر الحذر ولنفتش عن قلوبنا، ولنتلو خبرها، ولنعرض على كتاب العزيز الحميد حالها، ونتدارك توحيدها بالإصلاح، قبل أن ينادى علينا لعرض الحساب. * العزلة تقطع أثر القلب عن دليل اللصوص، فلا يصل إليه قطاع الطريق، فإذا خليته حينا عنهم فما أيسر أن ينساب فيه الخشوع، فإذا خشع القلب فقد آن أن يتنزل عليه من السماء ماءاً يحييه، فينبت من كل زوج بهيج، فمن أحب أن يخلو لله قلبه، فليضرب عليه العزلة حينا من بعد حين... الطُّرُقُ شَتَّى وَطُرُقُ الحَقِّ مُفْرَدَةٌ ... وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الحَقِّ أَفرَادُ لا يُعرَفُونَ وَلا تُدْرَى مَقَاصِدُهُم ... فَهُم عَلَى مَهلٍ يَمشُونَ قُصَّادُ وَالنَّاسُ فِي غَفلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِم ... فَجُلُّهُم عَن سَبِيلِ الحَقِّ رُقَّادُ * أما آن للنفس أن تظمأ، للهدى، أما آن لها أن تقرأ القرءان قراءة التائه الصادي في عرض الصحراء لمعالم الأرض ونجوم السماء يفتّش فيها عن دليل الغوث وخارطة النجاة... أما آن لها أن تأنف من خنوعها في الخير ومن جنوحها في الغيّ، من التفاتها عن الجدّ واسغراقها في التفاهات.. أما آن لها أن تبحث في سبل العلم عن طريق الرشاد... أما أن لها أن تجوع في هذه المخمصة لقوت الروح.. أما آن لها أن تتلقف الحكمة كما تتلقف ضالتها المنشودة التي لا تألو في البحث عنها جهدا حتى إذا التقتها تلقفتها ووعتها وعضت عليها وحفظتها وصانتها واعتنقتها... فأنى هي تلك.. ' الحكمة ضالة المؤمن '... ولماذا هي ضالة المؤمن ليس سواه،، لأن القلوب المؤمنة هي التي تعرف للحكمة قدرها وهي التي تقتات عليها لتحيي فيها نبض التقوى حيناً من بعد حين،، ولقد صبَّحنا زمان يعبر فيه كل عابر على فصيح البلاغ من بينّات الكتاب، وبدائع الإعجاز، فلا يفقهها ولا يتوقف لديها ولا يتدبرها ولا يحياها بل لكأنما هو ليس يراها وكأنه هو أعجمي الفؤاد والفهم والهوى... أَيُّها المُنكِحُ الثُرَيّا سُهَيلاً *** عَمرَكَ اللَهُ كَيفَ يَلتَقيانِ هي شامِيَّةً إِذا ما اِستَقَلَّت *** وَسُهَيلٌ إِذا اِستَقَلَّ يَمانِ * الحمد لله الموكل بسرائر العباد العالم بما بين أيديهم إذ يفيضون فيه والحمد لله القريب الرحيم، الحليم مع علمه، المتفضل على خلقه بكل معروف جميل، والحمد لله الذي سترنا وأمهلنا وعفا عنا، وأعزنا بدينه ورزقنا من الخير والنعم كرامة لا تحصى، نستغفره ونتوب إليه، ونبرأ إليه من سوء الكسب ظاهره وباطنه، ومن جريرة الذنوب وحرارتها في القلب، وعكارتها وظلمتها وذلها، له أسلمنا وبه ءامنا، وإليه أنبنا وإياه سألنا، لا إله إلا هو ولا حول ولا قوة إلا به، سبحانه هو العظيم الحليم الكريم رب العرش العظيم، غفرانه، ربنا ءات قلوبنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها.